البنوك اليمنية في زمن الإنقسام

لم تكن البنوك اليمنية ، كما لم يكن جمهور المودعين ؛ طرفاً في الصراع السياسي ؛ لكنهم كانوا من أكثر من دفع الثمن ، وتحملوا تبعاته الاقتصادية والمالية .
منذ عقداً من الزمن ؛ وجدت البنوك ومعها المودعين أنفسهم يعملون في بيئة اقتصادية استثنائية ؛ فقدت العديد من مقومات الاستقرار النقدي والمؤسسي ؛ ابتداءً من غياب المرجعية النقدية الموحدة ، مروراً باضطراب سوق الصرف ، وانتهاءً بتراجع قدرة النظام المالي على أداء وظائفه التقليدية في تعبئة المدخرات وتمويل الاقتصاد .
فقد مثلت العملة المنقسمة ، والحساب المصرفي المقيد ، والورقة النقدية المتهالكة ، وفارق سعر الصرف ؛ صورا مختلفة تعكس معاناة متعددة على المصارف والعملاء والجمهور ، وشاهداً على تشظّي الدولة ، وتراجع الثقة .
فالعملة التي يفترض أن تكون رمزاً لوحدة السوق ؛ أصبحت مرتبطة بمكان تداولها ، والحساب المصرفي الذي يفترض أن يكون ملاذاً آمناً للمدخرات ؛ أصبح لدى كثير من العملاء مصدراً للقلق والانتظار والحسرة والمعاناة ،
والورقة النقدية التي ينظر لها في الاقتصادات المستقرة كعقد ثقة بين المجتمع والمؤسسة التي تقف خلفها ” لأن هناك مؤسسة قادرة على حماية قيمتها وضمان تداولها ” ؛ أصبحت تحمل قصة انقسام تجاوز حدود الاقتصاد ليصل إلى تفاصيل الحياة اليومية .
لقد تحولت أزمة الريال اليمني ” الشاهد ” ؛ من أزمة سعر صرف ؛ إلى أزمة ذات أبعاد متعددة ، وامتدت من مؤسسات القرار النقدي إلى البنوك ، ثم إلى التجار والمواطنين وحساباتهم ، ومدخراتهم
ومن هنا فإن قراءة وضع البنوك اليمنية بمنهجية علمية ؛ لا يمكن أن تتم من خلال مؤشرات مالية منفردة فقط ؛ بل من خلال فهم البيئة المؤسسية والنقدية التي تعمل داخلها.
نستعرض في هذا المقال التحليلي أبرز شواهد الانقسام النقدي وآثاره على البنوك والعملاء والجمهور؛ من خلال أربعة شواهد رئيسية .
شواهد الانقسام النقدي وآثاره
الشاهد الأول :
انقسام المرجعية النقدية عندما فقد الاقتصاد بوصلته الموحدة
قبل الازمة ؛ كان البنك المركزي اليمني يمثل المرجعية الموحدة لإدارة السياسة النقدية ، والإشراف على المصارف، وإصدار العملة ، وإدارة الاحتياطيات الأجنبية ، ووضع الأطر التنظيمية التي تحكم عمل البنوك ؛
لكن التحولات السياسية والعسكرية منذ عام 2015 أدت إلى انقسام مؤسسي انعكس على البنك المركزي ؛ خصوصاً بعد انتقال إدارة البنك المركزي إلى عدن عام 2016 م ، مع استمرار وجود إدارة نقدية أخرى في صنعاء.
ومنذ ذلك الوقت ؛ لم يعد الاقتصاد اليمني يعمل ضمن إطار نقدي موحد ؛ بل أصبح يتحرك داخل بيئة متعددة المرجعيات ؛ تختلف فيها السياسات النقدية ، وآليات إدارة السيولة ، وإجراءات الرقابة المصرفية ، وأدوات التدخل في سوق الصرف .
هذا الواقع لا ينسجم مع المعايير الدولية ، ومنها مبادئ لجنة بازل للرقابة المصرفية ؛ التي تؤكد على أن استقرار القطاع المالي يتطلب وضوح المرجعية الرقابية والنقدية ؛ لأن المصارف تحتاج إلى قواعد مستقرة حتى تتمكن من التخطيط والعمل بكفاءة .
كما تشير تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي إلى أن ضعف المؤسسات والانقسام الاقتصادي يمثلان عائقاً أمام تعافي القطاع المالي في الدول المتأثرة بالنزاعات .
وقد ترتب على ذلك :
1. فقدان وحدة السياسة النقدية ؛
حيث أصبحت أدوات إدارة النقد والسيولة وسعر الصرف موزعة بين مراكز قرار مختلفة ؛ مما أضعف قدرة السياسة النقدية على أداء وظائفها التقليدية .
2. تراجع فعالية السيادة النقدية ؛
لأن العملة تمثل أحد مظاهر السيادة الاقتصادية للدولة ، وعندما تختلف قواعد تداولها وقيمتها بين مناطق الدولة الواحدة ؛ فإن ذلك يؤدي إلى تراجع فاعلية هذه السيادة .
3. ارتفاع المخاطر أمام البنوك ؛
لأن البنوك وجدت نفسها مطالبة بالتعامل مع بيئة تشغيلية معقدة تتطلب إدارة مخاطر متعددة ؛ من مخاطر سيولة ، وسعر الصرف ، ومخاطر امتثال ، وعلاقات مع البنوك المراسلة الخارجية .
4. صعوبة إدارة السيولة وفق رؤية وطنية واحدة ؛نتيجة اختلاف المرجعيات والتعليمات .
5. زيادة متطلبات الامتثال من البنوك المراسلة ،
فقد أدى الانقسام المؤسسي إلى زيادة المخاوف لدى بعض البنوك المراسلة الدولية ، و أصبحت المصارف اليمنية بحاجة إلى إجراءات إضافية لإثبات سلامة العمليات والالتزام بالمعايير الدولية المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
الشاهد الثاني :
تعدد أسعار الصرف والطبعات النقدية عندما أصبح للريال اليمني أكثر من قيمة وشكل
لم يكن انقسام المرجعية النقدية مجرد اختلاف إداري بين مؤسستين ؛ بل انعكس بصورة مباشرة على أهم وظائف العملة الوطنية ، وهي وحدة قياس العملة التي يفترض أن تكون موحدة للعملة ووسيطاً مقبولاً للتبادل ومخزناً مستقراً للقيمة.
فمن أبرز مظاهر الأزمة النقدية اليمنية خلال السنوات الماضية ظهور فروقات واسعة في قيمة الريال اليمني بين المناطق، إلى جانب اختلاف التعامل مع الإصدارات النقدية الجديدة والقديمة، الأمر الذي جعل العملة الواحدة تحمل واقعين اقتصاديين مختلفين .
فالعملة التي يفترض أن تكون رمزاً لوحدة السوق الوطنية أصبحت مرتبطة بمكان تداولها ، وأصبح انتقال الأموال بين المناطق يعني الانتقال إلى بيئة نقدية مختلفة من حيث ؛ القوة الشرائية ، وسعر الصرف ، وقبول الأوراق النقدية ، وتكلفة التحويلات .
إن اختلاف الطبعة والقيمة السوقية للعملة لا يمثل مشكلة سعر صرف فقط، ؛ بل يؤدي إلى تشوهات اقتصادية ومحاسبية ومصرفية واسعة ، لأن جميع العقود والالتزامات المالية تصبح معرضة لإعادة التقييم وفق بيئات نقدية مختلفة.
ترتب على ذلك :
1. ارتفاع تكلفة التحويلات بين المناطق و الفروع ؛ بسبب اختلاف قيمة الأوراق النقدية .
2. أضعف إحدى الوظائف الأساسية للبنوك ؛ وهي تسهيل انتقال الأموال بأمان وكفاءة داخل الاقتصاد.
3. تراجع القدرة التنافسية للبنوك أمام شركات الصرافة ؛ التي أصبحت تؤدي جزءاً من الوظائف التي كانت تاريخياً مرتبطة بالبنوك ، المتميزة عن غيرها بقدرتها على توفير بيئة أكثر أماناً وتنظيماً لحركة الأموال في مجال التحويلات المحلية والخارجية.
4. تشوه القوائم المالية للبنوك ؛ لأن القيمة الدفترية ” المحاسبية ” لا تساوي القيمة الاقتصادية للتقد عند توحيد عملة العرض مع استمرار اختلاف عملة القياس ؛ السياسة التي يتبعها البنك المركزي ولا يزال منذ بداية الازمة في مخالفة محاسبية للمعيار الدولي 21 IAS الخاص بمعالجة آثار التغيرات في أسعار صرف العملات الأجنبية.
5. عدم العدالة النقدية ؛ من أخطر آثار الانقسام النقدي أن وحدة الحساب الاسمية لم تعد تعني بالضرورة وحدة القيمة الاقتصادية ، فالعميل الذي كان لديه وديعة قبل الأزمة لدى فرع بنك يقع في إطار مركزي عدن لا تساوي سوى ثلث وديعته التي ربطها بنفس الفترة وبنفس المبلغ لدى فرع لنفس البنك يقع في إطار مركزي صنعاء .
6. ارتفاع مخاطر السيولة ؛ لأن المخاطر لا ترتبط فقط بالرقم المحاسبي ؛ بل بجودة وقابلية الأصل للتحويل إلى نقد عند الحاجة .
7. زيادة تكلفة التجارة الداخلية ؛ نتيجة ارتفاع عمولة التحويل وفوارق سعر الصرف.
الشاهد الثالث :
شحة السيولة عندما أصبح نقص النقد أزمة ومعاناة يومية للعملاء .
تعد السيولة بمثابة الدورة الدموية لأي اقتصاد ؛ فهي التي تسمح باستمرار عمليات الدفع، وتمويل التجارة، وسداد الالتزامات، والحفاظ على الثقة بين الأطراف الاقتصادية ؛وعندما تتباطأ حركة النقد أو يتركز في قنوات محدودة، فإن التأثير لا يقتصر على البنوك فقط، بل يمتد إلى جميع مكونات الاقتصاد .
وفي اليمن ؛ تراكمت عوامل عدة أدت إلى أزمة السيولة ؛ أبرزها :
1. عجز الدولة عن القيام بواجباتها المعيشية والتنموية ؛ رغم استمرار دورها في التحصيل والجباية .
2. ضعف حركة النقد بين المناطق ؛ وتركزه في فئات محدودة .
3. تراجع النشاط الاقتصادي ، وتراجع الحوالات والمنح الدولية والإقليمية.
4. نقص التعويض لفئات النقود التالفة .
5. تجميد أرصدة البنوك ، وتعطل دورة الأموال داخل الجهاز المصرفي .
6. فقدان الشيك المصرفي لقيمته المصرفية.
7. زيادة الاعتماد على النقد خارج النظام المصرفي .
وقد ترتب على ذلك :
1. تحول مشكلة السيولة إلى أزمة ثقة ، وأصبح العميل لا يميز بين “بنك لديه مشكلة سيولة” و”بنك غير قادر على الوفاء بالتزاماته .
2. تراجع قدرة البنوك على منح التمويل أو الحفاظ على رصيد التمويل السابق ؛ حيث صار التركيز على إدارة السيولة وتغطية المصروفات بدل التمويل والائتمان .
3. ارتفاع تكلفة التشغيل وإدارة النقد ؛ فشحة السيولة تزيد من كلفة نقل الأموال والتأمين عليها .
4. عدم قدرة العميل على التمييز بين تعثر السيولة المؤقت لدى المصرف وبين فقدان القدرة على الوفاء ؛ وهذا يعد أحد أخطر آثار الأزمة لأنه يؤدي إلى سلوك دفاعي جماعي يتمثل في زيادة السحوبات وتقليل الإيداعات .
الشاهد الرابع :
أزمة الثقة عندما أصبح المصرف يدفع تكلفة الانقسام
الثقة هي رأس المال الحقيقي لأي نظام مصرفي. فالبنك قد يمتلك الأنظمة والفروع والكوادر، لكنه لا يستطيع أداء دوره الاقتصادي إذا فقد المجتمع ثقته بقدرته على حماية المدخرات وإتاحتها عند الحاجة.
فالمودع يضع أمواله في البنك لأنه يفترض وجود ثلاثة عناصر أساسية :
قدرة البنك على حفظ أمواله.
إمكانية الوصول إليها عند الحاجة.
المحافظة على قيمتها الاقتصادية.
وعندما يختل أحد هذه العناصر أو كلها ، تبدأ العلاقة بين المجتمع والجهاز المصرفي في التراجع.
وفي الحالة اليمنية ؛ لم تكن أزمة الثقة نتيجة عامل منفرد ؛ بل جاءت نتيجة تراكمات متداخلة شملت ؛ الانقسام النقدي والمؤسسي ، وصعوبة الوصول إلى السيولة ، والقيود على حركة الأموال ، وضعف القدرة على التنبؤ بالقيمة المستقبلية للنقد ، وانتشار المخاوف حول مستقبل المدخرات .
ترتب على ذلك :
زيادة عمليات السحب من الحسابات.
تراجع نمو الودائع الجديدة.
انخفاض الإقبال على الودائع الاستثمارية طويلة الأجل.
تفضيل الاحتفاظ بالنقد خارج النظام المصرفي.
تراجع استخدام بعض الأدوات المصرفية التقليدية.
التوصيات :
مسارات استعادة التوازن النقدي والمصرفي
إن معالجة آثار الانقسام النقدي لا يمكن أن تتم من خلال إجراءات جزئية أو معالجات فردية أوحلول مؤقتة ؛ بل تحتاج إلى مسار مؤسسي متكامل يعيد بناء الثقة ويستعيد وظائف النظام المالي ، وأهم هذه المسارات؛ تتمثل بالتالي :
إعادة بناء مرجعية نقدية موحدة ؛ فتوحيد القرار النقدي يمثل الأساس لأي إصلاح ؛ لأنه يضع حداً لتضارب السياسات والتعليمات.
معالجة ملف العملة والسيولة ؛ يجب وضع آلية مهنية لإدارة دورة النقد، واستبدال الأوراق التالفة ، وتنظيم حركة النقد بين المناطق ، وضمان توفر السيولة اللازمة للتعاملات اليومية ، و تطوير آليات مراقبة السيولة .
حماية حقوق المودعين وإعادة الثقة بالقطاع المصرفي ؛ معالجة القيود على السيولة وضمان قدرة العملاء على الوصول إلى مدخراتهم يمثلان حجر الأساس لاستعادة الثقة.
دعم تحول البنوك إلى مؤسسات تنموية ينبغي ألا يبقى دور المصارف محصوراً في إدارة الأزمة ؛ بل يجب أن تعود إلى تمويل التجارة والاستثمار والمشاريع الإنتاجية.
الاستمرار في تطوير الخدمات المصرفية الرقمية ؛ فتقليل الاعتماد على النقد الورقي عبر أنظمة الدفع الحديثة يمكن أن يخفف جزءاً من أزمة السيولة .
خاتمة :
☆ إذا نجحت عملية إصلاح النظام النقدي والمصرفي ؛ فإن البنوك اليمنية يمكن أن تنتقل من مرحلة التدهور إلى مرحلة التعافي ، ومن سياسات البقاء إلى سياسات التنمية .
☆ ذاكرة انقسام الريال اليمني اليوم لا تحكي فقط قصة اقتصاد متعثر؛ بل تحكي قصة مؤسسات انقسمت، وثقة تراجعت، ومجتمع وجد نفسه يتعامل مع آثار أزمة أكبر من قدرته على التحكم بها .
☆ استعادة عافية الاقتصاد اليمني لن تبدأ من طباعة المزيد من الأوراق النقدية فقط، بل من إعادة بناء المعنى الذي يجعل لهذه الأوراق قيمة؛ أي بناء الثقة بالمؤسسات، ووحدة القرار النقدي، وقدرة المواطن على الاطمئنان إلى أن ماله اليوم سيظل مالاً غداً.
☆ مستقبل البنوك اليمنية لن تحدده كمية السيولة وحدها، بل حجم الثقة التي تستطيع استعادتها، وقدرتها على العودة لتكون جسراً بين مدخرات الناس ومستقبل الاقتصاد.
☆ قد تحمل العملة آثار الانقسام ؛ لكنها تستطيع أيضاً أن تحمل بداية التعافي عندما تستعيد المؤسسات وحدتها ، ويستعيد المواطن ثقته بأن النظام المالي يعمل من أجله لا بعيداً عنه .