الشبكة الموحدة للأموال.. البنك المركزي يعيد بناء عصب المدفوعات

في اجتماعٍ قد يبدو إجراءً إدارياً روتينياً، افتتح محافظ البنك المركزي اليمني أحمد غالب، الاثنين في عدن، الجمعية العمومية غير العادية لشركة الشبكة الموحدة للأموال، معلناً استكمال إعادة هيكلتها ورفع رأسمالها وانضمام البنوك العاملة إلى قاعدة مساهميها. لكن ما جرى يتصل بأحد أعمق ملفات الاقتصاد اليمني: من يتحكم في حركة الأموال داخل بلد انقسمت مؤسساته النقدية وتضخّم فيه اقتصاد النقد.
● من قرار 2020 إلى شركة قائمة
وُلدت الشبكة من رحم أزمة. ففي 2020، وسط فوضى التحويلات وتعدد شبكاتها وتباين أسعار الصرف بين المحافظات، أصدر البنك المركزي القرار رقم 18 بإيقاف الشبكات القائمة وإنشاء شبكة موحدة تحت إشرافه المباشر.
وفي سبتمبر 2021، تأسست الشركة في عدن بحضور 47 مؤسساً من شركات الصرافة، برأسمال خمسة مليارات ريال. ثم أُطلقت فعلياً في 2024، مصحوبةً بوقف شبكات التحويل التابعة للصرافين والإبقاء على شبكات البنوك وحدها، أي انتقال المنظومة من فضاء الصرافين إلى الجهاز المصرفي الرسمي.
○ ما الذي تغيّر الاثنين؟
الجديد هو إعادة تأسيس لا تأسيس. فقد أقرّت الجمعية زيادة رأس المال واستكمال اكتتاب المساهمين الجدد، وعدّلت النظام الأساسي، وانتخبت مجلس إدارة جديداً من تسعة أعضاء لثلاث سنوات يمثلون البنوك والمساهمين وأعضاء مستقلين.
لكن القرار الأعمق أثراً هو انضمام البنوك كمساهمين. فالشركة التي وُلدت في حضن الصرافين تتحول الآن إلى ملكية مشتركة بين المركزي والبنوك التجارية، وهو إعادة تعريف لمن تعود إليه مصلحة نجاح المنظومة.
❓️ لماذا يهم؟
الشبكة الموحدة، تقنياً، هي البنية التي تربط أنظمة الدفع بين البنوك في منظومة واحدة: التحويلات والبطاقات ونقاط البيع والمحافظ الإلكترونية. وبدونها تبقى كل مؤسسة جزيرة منفصلة.
وفي اقتصاد يعتمد على النقد إلى حد بعيد، تكتسب هذه البنية أهمية مضاعفة. فكل معاملة تنتقل من النقد إلى القناة الرقمية تدخل دائرة الرقابة وتخرج من السوق الموازية، وهو ما يسعى إليه المركزي منذ 2020 لتقليص المضاربة على العملة خارج نطاقه. ويضاف إلى ذلك بعد الشمول المالي: منظومة موحدة تخفض كلفة الخدمة وتتيح دمج ملايين اليمنيين، الذين يتعاملون بالنقد حصراً، في النظام الرسمي.
◾️المستفيد والمتحدي
المستفيد ثلاثة: المستخدم عبر خدمات أوسع وأأمن، والبنوك عبر بنية تخفض كلفة التشغيل، والمركزي عبر أداة رقابية أقوى.
وانضمام البنوك كمساهمين يعالج معوّقاً قديماً: ميلها إلى التنافس بدل التكامل. فحين يصبح البنك مالكاً لجزء من الشبكة، يتحول من مستخدم قد ينافسها إلى شريك يربح من نجاحها. لكن التحدي يبقى في التنفيذ: ربط البنوك فعلياً، وتوحيد معاييرها، وضمان الحوكمة التي شدّد عليها المحافظ.
الظل الذي لا يغيب
يبقى فوق الملف ظلّ الانقسام النقدي بين عدن وصنعاء. فالشبكة، بحكم تبعيتها للمركزي في عدن، تعمل ضمن نطاق سلطته الفعلية. وما لم تُعالَج ازدواجية السلطة النقدية، ستبقى المنظومة “الموحدة” موحّدة في منطقة دون أخرى.
وهنا المفارقة: خطوة تحمل في اسمها كلمة “الموحدة”، تعمل في واقع نقدي منقسم. وقيمتها الحقيقية لن تتحدد بجودة تصميمها التقني وحده، بل بقدرة الاقتصاد اليمني على تجاوز انقسامه المؤسسي الأعمق.
والمؤشر الذي يُقاس به النجاح ليس عدد القرارات المُقرّة، بل عدد البنوك التي تتصل فعلياً بالشبكة، وحجم المعاملات التي تنتقل من النقد إلى القناة الرقمية خلال الأشهر المقبلة.
_ بتصرف من قناة الحدث