تُعدّ تركيا واحدة من أبرز الاقتصادات الناشئة عالمياً، وعضواً في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) ومجموعة العشرين (G20)، بعدما انتقلت منذ ثمانينيات القرن الماضي من نظام تسيطر عليه الدولة إلى نموذج أكثر انفتاحاً على السوق يعتمد على القطاع الخاص. ورغم التقدّم الذي حقّقه اقتصادها القائم اليوم على الصناعة والخدمات والسياحة، لا تزال تواجه تحديات أبرزها عدم المساواة في الدخل ومعدل تضخم مرتفع بلغ نحو 30.89%.
وقد شكّل عام 2024 نقطة تحوّل حاسمة، إذ نجحت البلاد في تحقيق تعافٍ اقتصادي قوي عبر نموذج معاد الهيكلة رافقته إجراءات لمكافحة التضخم وإصلاح للسياسة النقدية، برز خلاله قطاع التمويل التشاركي مكوّناً بالغ الأهمية في النظام المالي.
قطاع مصرفي إسلامي راسخ
يضمّ القطاع اليوم سبعة مصارف إسلامية متكاملة إلى جانب مصرفين رقميين تشاركيين، تقدّم خدمات واسعة تشمل الودائع والاستثمار والتمويل وإصدارات الصكوك. وقد حقّق أداءً مالياً قوياً، إذ بلغ صافي الربح 63.1 مليار ليرة تركية، وإجمالي حقوق المساهمين 213.8 مليار ليرة، فيما وصل إجمالي الأصول (إجمالي الوصول) إلى 2.6 تريليون ليرة، بحصة سوقية بلغت 8.14%.
جذور تاريخية وإطار قانوني متطوّر
يعود ارتباط تركيا بالتمويل الإسلامي إلى عام 1974 حين شاركت في تأسيس البنك الإسلامي للتنمية، ثم وُضعت أسس القطاع محلياً عام 1983 بمرسوم سمح بإنشاء “المؤسسات المالية الخاصة”، لتبدأ البنوك التشاركية عملها فعلياً عام 1984 مع تأسيس بنك البركة التركي. وتوالت بعدها الإصلاحات التنظيمية، من إدراج المؤسسات ضمن قانون البنوك عام 1999، إلى استبدال مصطلح “المؤسسات المالية الخاصة” بـ”البنوك التشاركية”، وصولاً إلى إنشاء إدارة للصيرفة التشاركية وهيئة شرعية مركزية ضمن رابطة البنوك التشاركية (TKBB).
توسّع في الحضور والأدوات
بلغ إجمالي فروع البنوك الإسلامية في تركيا نحو 1,494 فرعاً حتى عام 2025، يتصدّرها بنك الكويت التركي التشاركي بـ453 فرعاً. ومن حيث الأصول، يستحوذ البنك ذاته على الحصة الأكبر بنحو 34.93 مليار دولار أمريكي. أما إصدارات الصكوك فبلغت نحو 4.25 مليار دولار في 2025، تصدّرها بنك زراعات التشاركي. ويكمل المشهد قطاع تكنولوجيا مالية إسلامية متوازن يغطي التمويل الجماعي والأصول الرقمية والبنوك الرقمية والمدفوعات.
ريادة في صناعة الحلال
على صعيد الاقتصاد الإسلامي الأوسع، حلّت تركيا في المرتبة التاسعة عالمياً في مؤشر الاقتصاد الإسلامي العالمي لعام 2024، مدعومةً بقاعدة صناعية قوية وموقع استراتيجي في التجارة. وبلغت صادراتها إلى دول منظمة التعاون الإسلامي 33.9 مليار دولار، لتكون ثالث أكبر مُصدّر ضمن المجموعة، فيما سجّلت 23 صفقة استثمارية في اقتصاد الحلال بقيمة 127.58 مليون دولار.
خلاصة
تقدّم تجربة تركيا نموذجاً يُحتذى في بناء قطاع مالي إسلامي متكامل ومنظَّم، يجمع بين الجذور التاريخية والإطار التشريعي الحديث والتحوّل الرقمي. وتطمح رابطة البنوك التشاركية إلى رفع الحصة السوقية للقطاع إلى 15%، بما يعزّز مكانة إسطنبول مركزاً مالياً إسلامياً رائداً.
📊 التقرير كامل عبر قاعدة بيانات صالح كامل
“إعداد المركز اليمني للدراسات الاقتصادية، نقلاً عن قاعدة بيانات صالح كامل للاقتصاد الإسلامي”.

اترك تعليقاً