البنوك اليمنية بين الخطر الحقيقي وخطر عدم الفعل

كيف يمكن للبنوك أن تدير المخاطر التي لا يمكن تجنبها، وأن تميز بين ما يجب رفضه، وما يمكن إدارته، وما قد يكون من الخطأ عدم فعله؟
بقلم: فهد قائد السلمي
هناك فرق بين أن يخاف الإنسان من الخطر، وبين أن يعرف كيف يديره.
وفي عالم المصارف، قد تبدو المسافة بين الخوف والإدارة صغيرة، لكنها في الواقع قد تفصل بين مؤسسة تحافظ على قدرتها على الاستمرار، وأخرى تنكمش تدريجيًا حتى تفقد قدرتها على البقاء.
فالبنك، بطبيعته، مؤسسة تقوم على المخاطرة؛ يستقبل الودائع، ويوظف الموارد، ويمول النشاط الاقتصادي، ويقدم الخدمات، ويدير السيولة، ويتعامل مع الأسواق والعملاء والاقتصاد المحلي والخارجي. ولذلك لم تكن الصناعة المصرفية في يوم من الأيام تبحث عن «صفر مخاطر»، وإنما كانت تبحث عن مستوى من المخاطر يتناسب مع قدرة البنك على تحمله وإدارته، في إطار رأس المال والسيولة والقيود القانونية والرقابية.
وتزداد أهمية هذه الفكرة عندما يعمل البنك في اقتصاد لم تعد قواعده تشبه قواعد الاقتصاد المستقر. ففي البيئة الهشة، قد يتحول تجنب بعض المخاطر من إجراء دفاعي إلى مصدر خطر آخر؛ وقد يصبح الامتناع عن النشاط، إذا طال أمده، خطرًا على نموذج الأعمال نفسه.
وهنا تحديدًا تقف البنوك اليمنية اليوم.
فالأزمة اليمنية لم تعد حالة طارئة قصيرة يمكن انتظار انتهائها ثم العودة بعدها إلى نموذج الأعمال السابق، بل أصبحت بيئة تشغيلية طويلة الأمد أعادت تشكيل طبيعة المخاطر ومصادرها، وفرضت على البنوك أن تعيد النظر في كيفية تعريف الخطر وقياسه وترتيب أولوياته.
ليس كل خطر يجب رفضه، وليس كل خطر يمكن قبوله، وليس كل امتناع عن الفعل قرارًا آمنًا.
فالقرار المصرفي الرشيد لا يسأل فقط: ما الخطر الذي قد ينشأ إذا فعلنا؟ بل يسأل أيضًا: ما الخطر الذي قد نصنعه إذا لم نفعل؟
الاقتصاد اليمني.. عندما تطول الأزمة يتغير الخطر
ربما يكون أهم درس يقدمه الواقع اليمني هو أن الأزمات الطويلة لا تدار بالأدوات نفسها التي تستخدم في الأزمات القصيرة.
فعندما بدأت الأزمة، كان التحفظ الشديد مفهومًا؛ لأن الأولوية كانت حماية المؤسسة من صدمة غير واضحة المدى والنتائج. لكن عندما امتدت لسنوات طويلة، تغيرت طبيعة الخطر نفسه؛ وما كان في البداية إجراءً دفاعيًا أصبح في بعض الحالات جزءًا من المشكلة.
وتختصر المؤشرات الاقتصادية جانبًا مهمًا من حجم البيئة التي تعمل فيها البنوك اليمنية.
فقد انكمش الناتج المحلي الحقيقي بنحو 27% بين عامي 2014 و2024، مع انخفاض حاد في نصيب الفرد من الدخل، وتراجع الاحتياطيات الرسمية إلى مستويات لا تغطي سوى نحو شهر واحد من الواردات، وفق ما أشار إليه تقرير مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي، التي استؤنفت مع اليمن بعد انقطاع دام أحد عشر عامًا.
وأشار البنك الدولي، في تقرير «مرصد الاقتصاد اليمني – ربيع 2026»، إلى أن الناتج المحلي الحقيقي انكمش مجددًا في عام 2025 بنسبة 1.5%، مع توقع انكماش إضافي بنحو 0.5% في عام 2026، فيما يظل النشاط الاقتصادي مقيدًا بضعف الطلب المحلي، وصعوبة الوصول إلى التمويل، والقيود الهيكلية المستمرة.
كما أشار البنك الدولي في تقريره الصادر في خريف 2025 إلى أن القطاع المالي اليمني يواجه صعوبات متزايدة، وأن البنوك اضطرت إلى نقل مقارها من صنعاء إلى عدن لتجنب العقوبات والقيود التنظيمية، في وقت تعاني فيه البلاد من نقص السيولة وقيود شديدة على النشاط الاقتصادي والتمويل.
وفي الاتجاه نفسه، اعتبر صندوق النقد الدولي أن انتقال البنوك الكبرى إلى عدن يمثل فرصة لحماية علاقاتها مع البنوك المراسلة وتعزيز الاستقرار والنزاهة المالية، مع التأكيد على مواصلة تحسين الرقابة وممارسات معرفة العميل ومراقبة المعاملات.
مما يعني أن الأزمة اليمنية ليست أزمة عابرة يمكن انتظار انتهائها ثم العودة إلى نموذج الأعمال السابق.
فالصراع الممتد لما يزيد على عقد، والانقسام المؤسسي والنقدي، وتجميد جزء من أرصدة البنوك، وتوقف صادرات النفط، وتراجع النشاط الاقتصادي، وضعف الاستثمار، وتقلص المساعدات؛ كلها عوامل أعادت تشكيل البيئة التي تعمل فيها البنوك، وأثرت في نموذج العمل المصرفي، وتوصيف الخطر، وطريقة التعامل مع المعايير المصرفية الدولية.
هذه الصورة تكشف أن البنك اليمني أصبح يدير في الوقت نفسه عدة طبقات من المخاطر: مخاطر السيولة، ومخاطر الائتمان، ومخاطر سعر الصرف، ومخاطر الامتثال، ومخاطر العلاقات المراسلة، ومخاطر السمعة، ومخاطر الاستمرارية. ومن غير الواقعي إدارة كل هذه الطبقات بعقلية «صفر مخاطر»؛ وهو ما يفرض إعادة النظر في طريقة تصنيف المخاطر ذاتها.
عندما يصبح تجنب المخاطر خطرًا بحد ذاته
في بيئة هشة ومضطربة، لا يمكن النظر إلى البنك باعتباره جزيرة منفصلة عن محيطه.
فحين ينكمش الاقتصاد، تنكمش معه فرص التمويل، وحين تتراجع فرص التمويل، تتراجع قدرة البنك على توليد الإيرادات، وحين تتراجع الإيرادات وتبقى تكاليف الفروع والموظفين والأنظمة والتقنية والامتثال والرقابة قائمة، يبدأ الضغط على الاستدامة.
وهنا ينتقل الخطر من البيئة الاقتصادية إلى داخل نموذج الأعمال نفسه، فيظهر تناقض بالغ الحساسية:
«البنك يحتاج إلى النشاط لكي يولد الإيراد والسيولة، لكنه يخشى النشاط بسبب ارتفاع المخاطر»
وتظهر واحدة من أخطر المفارقات: قد ينجح البنك في تجنب بعض المخاطر الائتمانية الجديدة، لكنه في الوقت نفسه يراكم خطرًا آخر هو خطر تآكل نموذج أعماله.
فعدم التمويل، وعدم الابتكار، وعدم إطلاق منتجات جديدة، وعدم البحث عن مصادر دخل بديلة، وعدم توسيع قاعدة العملاء، وعدم الاستثمار في القنوات الرقمية؛ كلها قرارات قد تبدو آمنة على المدى القصير، لكنها ليست مجانية على المدى الطويل.
فكل قرار بعدم الفعل يحمل هو الآخر كلفة ومخاطرة، وهذا ما يمكن تسميته في السياق اليمني «خطر التآكل المصرفي»، بوصفه تعبيرًا تحليليًا عن أحد أوجه خطر عدم الفعل؛ أي الخطر التراكمي الذي ينشأ عندما يؤدي الامتناع المستمر عن النشاط إلى إضعاف قدرة البنك على توليد الإيرادات والسيولة والحفاظ على قاعدة العملاء والقدرة التنافسية.
خطر التآكل المصرفي؛ خطر قد لا يظهر في تقارير المخاطر التقليدية بالطريقة نفسها التي يظهر بها التعثر الائتماني أو مخاطر السوق أو مخاطر عدم الامتثال، لكنه قد يكون بالغ الأثر على الاستدامة.
أزمة السيولة.. عندما يتحول البنك إلى إدارة يومه بيومه
في الظروف الطبيعية، يستطيع البنك تعويض جزء من المخاطر من خلال تنويع مصادر دخله، ونمو محفظته التمويلية، وتوسع قاعدة عملائه، وابتكار منتجات جديدة، وزيادة العمولات والخدمات.
لكن ماذا يحدث عندما تتقلص هذه المساحات جميعًا؟
يبدأ البنك في استهلاك موارده بدلًا من توليد موارد جديدة، ويتحول تدريجيًا من مؤسسة مالية تقوم بدور الوساطة والتنمية إلى مؤسسة منشغلة بإدارة السيولة اليومية، ومواجهة التكاليف والسحوبات، والمحافظة على الحد الأدنى من النشاط.
المشكلة ليست في المعايير.. بل في التطبيق الجامد
ليست المشكلة في المعايير المصرفية الدولية؛ المشكلة في التعامل معها أحيانًا وكأنها قوالب جامدة لا تتغير بتغير البيئة.
فمعيار الجدارة الائتمانية، على سبيل المثال، يفترض عادةً توافر بيانات مالية تاريخية مستقرة، وتدفقات نقدية يمكن التنبؤ بها، وبيئة اقتصادية تسمح باستخدام الماضي مؤشرًا معقولًا للمستقبل؛ لكن في اقتصاد مضطرب، قد يصبح هذا المعيار مضللًا.
فقد يكون مشروع صغير واجه انقطاعًا في النشاط بسبب الحرب ثم استعاد قدرته على توليد التدفقات النقدية، وقد تكون مؤسسة تجارية تمتلك سوقًا حقيقية وعملاء حقيقيين لكنها لا تستطيع تقديم تاريخ مالي بالشكل الذي تتطلبه النماذج التقليدية.
هنا لا ينبغي أن تكون النتيجة «تخفيض معيار الجدارة الائتمانية»، وإنما تحسين طريقة قياسها وتغيير فلسفة دراستها لتنتقل من:
- ◉ من قراءة القوائم المالية وحدها إلى قراءة التدفقات النقدية.
- ◉ من قياس التاريخ فقط إلى قياس قدرة النشاط على الصمود.
- ◉ من الاعتماد على الضمان وحده إلى تحليل القدرة على السداد.
- ◉ من النموذج الموحد إلى نماذج قطاعية تراعي طبيعة الأنشطة الاقتصادية.
- ◉ من تقييم العميل في لحظة زمنية واحدة إلى تقييم قدرته على الاستمرار تحت سيناريوهات مختلفة.
وهذا هو جوهر الإدارة التكيفية للمخاطر؛ الحفاظ على المعيار، مع تطوير أدوات تطبيقه بما يتناسب مع البيئة.
الامتثال.. بين الواجب القانوني والتقدير المهني
ربما يكون هذا التحدي الأكثر حساسية في الحالة اليمنية، فقد يواجه البنك عملية أو علاقة مرتبطة بجهة تقع ضمن نطاق عقوبات أو قيود تنظيمية، بينما تقدم تلك الجهة في الوقت نفسه خدمة ذات طبيعة فنية أو مجتمعية.
وهنا يجب أن يكون الخط واضحًا بين حالات حظر قانوني أو عقوبة مالية مستهدفة واجبة التطبيق، معها لا توجد «مفاضلة تجارية» تسمح للبنك بتجاوزها؛ لأن الامتثال هنا ليس شهية مخاطر بل التزام قانوني.
وبين حالات لا يكون فيها نطاق الحظر واضحًا، أو لا يتعلق الأمر بجهة غير مدرجة مباشرة، أو بعلاقة غير مباشرة، أو بخدمة لا يتضح من ظاهرها ما إذا كانت تدخل في نطاق القيود.
هنا يأتي دور النهج القائم على المخاطر.
بحسب مجموعة العمل المالي (FATF) فإن النهج القائم على المخاطر يعني تحديد المخاطر وفهمها واتخاذ إجراءات تخفيف تتناسب مع مستوى الخطر، وأن الموارد ينبغي أن توجه إلى المخاطر الأعلى، مع إمكانية تطبيق إجراءات أكثر تبسيطًا عندما يكون مستوى الخطر أقل.
والأهم أن المجموعة نفسها حذرت من ظاهرة الإقصاء الشامل للمخاطر (De-risking)، أي إنهاء العلاقات أو تقييدها بصورة جماعية لمجرد تجنب المخاطر بدلًا من إدارتها، مؤكدة أن إدارة المخاطر لا تعني التخلص منها بالجملة.
وإنصافًا لمسؤولي الامتثال في البنوك اليمنية، لا بد من الاعتراف بأن كلفة الخطأ في هذا الملف ليست غرامة تدفع وتنسى؛ فقد تعني فقدان بنك مراسل يصعب تعويضه، أو ملاحقة تطيح بسمعة المؤسسة بأكملها.
لذا فإن الدعوة إلى النهج القائم على المخاطر ليست دعوة إلى التساهل، بل إلى استبدال الرفض الانطباعي بتقييم مهني موثق يحمي البنك ومسؤول الامتثال معًا، ويجعل قرار القبول أو الرفض قابلًا للدفاع عنه أمام أي جهة رقابية.
والرسالة المهمة هنا: لا ينبغي أن يتحول الامتثال من وسيلة لإدارة المخاطر إلى وسيلة لإلغاء النشاط المصرفي المشروع. وفي ذات الوقت لا يعني مطلقًا تجاوز العقوبات أو التحايل عليها؛ بل يعني أن الحالات التي لا يوجد فيها حظر قانوني قاطع ينبغي أن تخضع لتقييم مهني موثق، وعناية واجبة مناسبة، وفحص للمستفيد الحقيقي، وتحليل لطبيعة المعاملة وحجمها، والاستعانة بالرأي القانوني والرقابي عند الحاجة، ومراعاة أي متطلبات أو قيود رقابية أو تعاقدية أو متطلبات البنوك المراسلة واجبة التطبيق.
وخلاصة الأمر؛ فإن التعامل مع تحدي الامتثال يتطلب التمييز بين ثلاث فئات:
- ◉ مخاطر غير قابلة للقبول قانونًا: مثل مخالفة العقوبات الملزمة، أو تسهيل غسل الأموال، أو تمويل الإرهاب.
- ◉ مخاطر قابلة للإدارة مهنيًا: مثل بعض المخاطر التجارية والائتمانية والتشغيلية التي يمكن تخفيفها ووضع حدود لها.
- ◉ مخاطر تقع في منطقة تقدير مهني موثق: حيث لا يكفي الانطباع أو الخوف، بل يلزم تحليل قانوني ورقابي قائم على الوقائع.
إعادة تعريف الخطر في البيئة المصرفية اليمنية
ليست كل المخاطر متساوية في طبيعتها، ولا في إمكانية التعامل معها.
ومن المهم ألا نضع جميع المخاطر في سلة واحدة، بل لا بد من التمييز بين ثلاثة أنواع: الخطر المتحقق، والخطر المحتمل، وخطر عدم الفعل.
الخطر المتحقق: الخطر الحقيقي
الخطر المتحقق هو الخطر الذي بدأت آثاره تظهر فعليًا؛ من أمثلته ضعف القدرة على الوفاء بالالتزامات، واستنزاف السيولة، وتراجع الإيرادات، وارتفاع التعثر، وتآكل القدرة على تغطية التكاليف، أو فقدان مصادر النشاط.
هذا النوع من الخطر يحتاج إلى إدارة مباشرة، ومؤشرات إنذار مبكر، وإجراءات تصحيحية واضحة.
الخطر المحتمل الناشئ عن الفعل
وهو الخطر الذي قد ينشأ نتيجة قرار مستقبلي: تمويل عميل، أو دخول قطاع، أو تطوير منتج، أو استخدام قناة جديدة، أو توسيع نشاط معين.
هذه المخاطر ليست بالضرورة سلبية، ولا ينبغي تجاهلها؛ فهي جزء أصيل من العمل المصرفي.
لذلك يمكن أن يكون الخطر الناتج عن الفعل خطرًا مقبولًا ومدارًا إذا كان البنك قادرًا على قياسه وتسعيره وتحديد حدوده ومراقبته ضمن شهية المخاطر وقدرته على التحمل.
خطر عدم الفعل: المخاطر التي قد يصنعها عدم الفعل
خطر عدم الفعل ليس تصنيفًا مصرفيًا دوليًا مستقلًا، وإنما إطار تحليلي لفهم نوع من المخاطر الاستراتيجية التي قد تنشأ من قرارات الامتناع أو التأجيل المستمر.
هذا النوع من الخطر نقترحه لبيئات غير مستقرة، ويستحق أن يدخل بقوة إلى النقاش المصرفي اليمني.
فقد يكون عدم منح التمويل، أو عدم إصدار ضمان، أو عدم تنفيذ عملية مصرفية خارجية، هو القرار الأكثر أمانًا وانسجامًا مع متطلبات الامتثال في اللحظة الراهنة؛ لكنه قد يكون – في ظل الأوضاع الراهنة للبنوك اليمنية – الأقل أمانًا على المدى الطويل.
وقد يكون عدم إطلاق منتج جديد أقل مخاطرة من الناحية التشغيلية، لكنه قد يعني فقدان شريحة من العملاء ومصدر محتمل للإيراد.
وقد يبدو الاحتفاظ بأقصى قدر ممكن من السيولة قرارًا حصيفًا؛ لكن إذا لم تتوافر قدرة على إعادة توليد السيولة من النشاط، فإن السيولة تصير عبئًا، والمشكلة لا تختفي وإنما تؤجل.
وهنا يجب أن نتذكر أن لجنة بازل تعرف إدارة السيولة بأنها قدرة البنك على تمويل الزيادة في أصوله والوفاء بالتزاماته عند استحقاقها دون تكبد خسائر غير مقبولة. أي أن السيولة ليست مجرد أرصدة ساكنة، وإنما قدرة مستمرة على الوفاء والتمويل.
هل المطلوب رفع سقف المخاطر؟
قطعًا لا.
فهذه ليست دعوة إلى أن تتخلى البنوك عن الحذر، أو أن توسع التمويل دون دراسة، أو أن تخفف معاييرها الائتمانية، أو أن تتجاوز متطلبات الامتثال.
المطلوب شيء أكثر دقة: إعادة بناء المفاضلة بين المخاطر.
فالمعيار ليس أن نسأل: «كم من المخاطر استطعنا إزالتها؟»؛ بل أن نسأل: «ما المخاطر التي نتجنبها؟ وما المخاطر التي نخلقها نتيجة تجنبها؟ وأيها أكثر تهديدًا لاستمرارية البنك؟»
ومن هنا يمكن تلخيص عملية اتخاذ القرار المصرفي في مجموعة من الأسئلة:
- ◉ ما المخاطر التي يمكن تحملها؟
- ◉ ما مستوى المخاطر المقبول؟
- ◉ ما المخاطر التي يجب تجنبها؟
- ◉ ما تكلفة تجنب المخاطر؟
- ◉ وما تكلفة عدم اتخاذ القرار؟
- ◉ وكيف يمكن تحقيق التوازن بين السلامة المالية والنمو؟
فالمخاطر ليست شيئًا ينبغي إلغاؤه، وإنما شيئًا ينبغي تحديد مستواه وإدارته في ضوء القدرة على تحمله.
والمطلوب ليس تغيير الحدود القانونية، ولا تجاوز المتطلبات الرقابية، وإنما إعادة معايرة المخاطر التي يسمح بها القانون والرقابة، وبما يتناسب مع قدرة البنك الفعلية على التحمل.
من فلسفة تجنب الخطر إلى فلسفة إدارة المفاضلة
إذا كانت المشكلة ليست في وجود الخطر، وإنما في كيفية ترتيب المخاطر، فإن السؤال التالي يصبح: كيف تتحول هذه الفلسفة إلى ممارسة مصرفية؟
يمكن التفكير في ذلك من خلال ثلاث خطوات:
أولًا: تحديد ما لا يقبل المفاضلة
هناك مخاطر لا يمكن تحويلها إلى قرار تجاري، ومنها الالتزامات القانونية الملزمة، ومخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والعقوبات الواجبة التطبيق، وأي متطلبات رقابية إلزامية. هذه ليست مخاطر يمكن «تسعيرها» مقابل العائد.
ثانيًا: تحديد ما يمكن إدارته
هناك مخاطر تجارية وائتمانية وتشغيلية واستراتيجية يمكن تخفيفها من خلال الحدود، والتسعير، والضمانات المناسبة، والتنويع، والمراقبة، والتأمين، وخطط الاستمرارية، والرقابة الداخلية.
هنا لا يكون السؤال: «هل يوجد خطر؟»؛ بل: هل نستطيع إدارته ضمن قدرتنا على التحمل؟
ثالثًا: تحديد المنطقة الرمادية
وهي الحالات التي لا يكون فيها المنع القانوني قاطعًا، ولا يكون الخطر من النوع الذي يمكن تجاهله. وهنا يجب ألا يكون القرار مبنيًا على الخوف وحده، بل على:
القانون + البيانات + العناية الواجبة + التحليل المهني + التوثيق + الرأي الرقابي عند الحاجة.
وهذا هو المكان الذي تظهر فيه القيمة الحقيقية لإدارة المخاطر والامتثال.
البحث عن مصادر جديدة للسيولة
هناك مخاطر لا يمكن تحويلها إلى قرار تجاري، ومنها الالتزامات القانونية الملزمة، ومخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والعقوبات الواجبة التطبيق، وأي متطلبات رقابية إلزامية؛ هذه ليست مخاطر يمكن «تسعيرها» مقابل العائد.
حين تكون السيولة شحيحة، قد يبدو الحديث عن الابتكار المصرفي لجذب السيولة ترفًا؛ لكن العكس هو الصحيح. فالابتكار في هذه الحالة ليس بحثًا عن المغامرة، وإنما بحث عن مصادر جديدة للنقدية والإيراد: منتجات دفع جديدة، أو خدمات رقمية، أو منتجات تمويل مرتبطة بالتدفقات النقدية، أو خدمات مصرفية للمنشآت الصغيرة، أو حلول للتحصيل والمدفوعات، أو منتجات ادخارية واستثمارية متوافقة مع طبيعة السوق – بحسب ما تسمح به البيئة التنظيمية والشرعية والقانونية.
المهم أن ينتقل البنك من سؤال: «كيف نتجنب الخطر؟» إلى سؤال: «كيف نولد نشاطًا يمكننا من تحمل المخاطر التي لا مفر منها؟»
فالسيولة المستدامة لا تأتي دائمًا من الاحتفاظ بالنقد، وإنما من قدرة البنك على إعادة توليد النقد من دورة النشاط.
تطوير نموذج معايير يمني تكيفي
إذا كانت البيئة قد تغيرت، فمن الطبيعي أن تتغير أدوات الإدارة.
والمقترح المركزي هنا هو تطوير «نموذج معايير يمني» يطبق المعايير الدولية بذكاء داخل البيئة اليمنية، ويقوم على سبعة مبادئ:
- تحديد الخطر الحقيقي قبل الخطر الافتراضي: فليس كل احتمال يستحق المعالجة نفسها.
- تحديد المخاطر غير القابلة للمفاضلة: خصوصًا العقوبات القانونية الملزمة، وغسل الأموال، وتمويل الإرهاب، وأي التزام قانوني صريح.
- تحديد المخاطر القابلة للإدارة: ووضع حدود كمية ونوعية واضحة لها.
- إدخال «خطر عدم الفعل» في قرارات المخاطر: أي قياس كلفة عدم النشاط الائتماني وعدم الابتكار وعدم تطوير المنتجات، مقارنة بكلفة الخطر المحتمل من الفعل.
- تطوير شهية المخاطر وفق البيئة: مع إعادة معايرتها دوريًا وفق السيولة ورأس المال والاقتصاد والقدرة التشغيلية.
- تطوير قياس الجدارة الائتمانية: من نموذج يعتمد على الماضي إلى نموذج يقرأ التدفقات والمرونة والقدرة المستقبلية على السداد؛ أي التحول من التمويل القائم على الضمان إلى التمويل القائم على النشاط.
- ربط إدارة المخاطر بالاستدامة: بحيث لا تكون وظيفة إدارة المخاطر مجرد قول «لا»، وإنما مساعدة البنك على معرفة: أين يمكن أن يقول «نعم»؟ وكيف يقولها بأمان؟
دور البيئة التنظيمية والرقابية
لأن التكيف لا يمكن أن يكون مسؤولية البنوك وحدها، فإن على البيئة التنظيمية والرقابية دورًا موازيًا يشمل:
- تطوير الأطر الرقابية بما يستوعب مبادئ النموذج المقترح، دون تخفيف المتطلبات الأساسية؛ أي استخدام مبدأ التناسب والنهج القائم على المخاطر في المجالات التي يسمح بها الإطار القانوني والرقابي.
- تعزيز التنسيق بين الجهات النقدية والرقابية، وتحسين جودة البيانات المصرفية، وتطوير آليات لإدارة السيولة في الظروف الاستثنائية.
- تشجيع المنتجات التي تدعم الاقتصاد الحقيقي، وتطوير أطر واضحة للتعامل مع الحالات الحدودية في الامتثال.
- تعزيز التواصل مع البنوك المراسلة، وتوفير إرشادات واضحة للبنوك في المناطق الرمادية قانونيًا، ودعم الابتكار المصرفي المنضبط؛ فالغموض التنظيمي في بيئة هشة قد يتحول في حد ذاته إلى خطر.
ما الذي ينبغي فعله؟
على مستوى البنوك
- إعادة بناء شهية المخاطر بشكل واقعي وتكيفي، بحيث لا تبنى على افتراضات بيئة مستقرة، بل على واقع اقتصادي هش يتطلب توازنًا دقيقًا بين الحذر والاستمرارية.
- إدماج «خطر عدم الفعل» ضمن منظومة اتخاذ القرار، عبر قياس كلفة التوقف عن التمويل، وعدم إطلاق المنتجات، وتقييد النشاط، باعتبارها مخاطر حقيقية على الاستدامة وليست مجرد خيارات محايدة.
- تطوير نماذج الجدارة الائتمانية، بالانتقال من الاعتماد المفرط على التاريخ المالي والضمانات إلى تحليل التدفقات النقدية، وقدرة النشاط على الاستمرار، والمرونة التشغيلية للعميل.
- تعزيز إدارة السيولة بمنظور ديناميكي لا يقتصر على الاحتفاظ بالنقد، بل يشمل القدرة على إعادة توليد السيولة من النشاط المصرفي نفسه.
- تبني نهج الامتثال القائم على المخاطر (RBA)، بما يضمن الالتزام الكامل بالعقوبات والقوانين، مع تجنب الإقصاء الشامل للعلاقات المشروعة، وتوثيق القرارات في المناطق الرمادية بشكل مهني وقابل للمراجعة.
- التحول نحو الابتكار المصرفي المنضبط، من خلال تطوير منتجات وخدمات رقمية وتمويلية مرتبطة بالاقتصاد الحقيقي، بما يوسع قاعدة الإيرادات ويقلل الاعتماد على الأنشطة التقليدية المحدودة.
على مستوى السلطات النقدية والرقابية
- تطوير إطار رقابي تكيفي قائم على مبدأ التناسب، يسمح بتطبيق المعايير الدولية بما يتناسب مع خصوصية البيئة اليمنية دون الإخلال بالمتطلبات الأساسية للسلامة المالية.
- توضيح المناطق الرمادية في الامتثال والعقوبات، عبر إصدار إرشادات أكثر دقة للبنوك، بما يقلل من التفسيرات المتشددة أو المتباينة التي قد تؤدي إلى تعطيل النشاط المصرفي المشروع.
- تعزيز إدارة السيولة على المستوى النظامي، من خلال أدوات وسياسات استثنائية تتناسب مع طبيعة الاقتصاد الهش والانقسام النقدي.
- تحسين جودة البيانات المصرفية وتدفق المعلومات، بما يدعم قرارات أكثر دقة في إدارة المخاطر والائتمان والسيولة.
على مستوى القطاع المصرفي ككل
- تعزيز التعاون بين البنوك في إدارة المخاطر المشتركة، خصوصًا في مجالات البنوك المراسلة، والمدفوعات، ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
- تطوير بنية تحتية مالية أكثر تكاملًا، تدعم المدفوعات الرقمية، والتحصيل، والخدمات المشتركة التي تخفف من كلفة التشغيل وتوسع قاعدة النشاط.
- تبادل الخبرات في إدارة المخاطر في البيئات الهشة، بما يرفع من كفاءة القطاع ككل في التعامل مع التعقيدات المتزايدة.
على مستوى الاقتصاد الكلي
- تحسين بيئة الأعمال ودعم القطاع الخاص، باعتباره المصدر الأساسي للطلب على التمويل، وبالتالي المحرك الرئيسي لدورة السيولة المصرفية.
- تشجيع الأنشطة الاقتصادية القابلة للتمويل، بما يوسع قاعدة الفرص أمام البنوك ويقلل من تركّز المخاطر.
- تعزيز الاستقرار المؤسسي والنقدي، باعتباره شرطًا أساسيًا لتقليل حالة عدم اليقين التي تؤثر مباشرة على قرارات البنوك.
الخلاصة
البنك الذي يخالف عقوبة ملزمة ليس شجاعًا، وإنما معرض لخطر قانوني لا مجال للمساومة عليه؛ والبنك الذي يمول دون دراسة ليس مبتكرًا، وإنما يمارس مخاطرة غير مسؤولة؛ والبنك الذي يرفض كل تمويل لأنه يخشى التعثر، ويرفض كل منتج لأنه يخشى الفشل، ويرفض كل علاقة لأنه يخشى تفسيرًا محتملًا؛ قد يجد نفسه أمام خطر آخر أكثر هدوءًا وأشد عمقًا: خطر فقدان قدرته على العمل.
المخاطر لا تدار بإلغائها، وإنما بترتيبها؛ فهناك خطر يجب رفضه، وخطر يجب تخفيفه، وخطر يمكن تحمله، وهناك خطر آخر قد ينشأ لأننا لم نفعل شيئًا.
وفي البيئات الهشة تصبح هذه المفاضلة أكثر أهمية؛ لأن هامش الخطأ أضيق، والموارد أقل، والوقت أكثر كلفة.
لا تحتاج البنوك اليمنية إلى شجاعة متهورة، ولا إلى تحفظ مشلول، بل إلى شجاعة محسوبة: شجاعة الرفض القاطع عندما يكون الخطر قانونيًا أو وجوديًا، وأن تقول «نعم» عندما يكون الخطر قابلًا للإدارة، وأن تبحث عن مساحة ثالثة حين تكون المسألة في منطقة رمادية، فتدرسها بالقانون والبيانات والعناية الواجبة، لا بالخوف وحده.
أخيرًا؛ المصرف الناجح ليس هو المصرف الذي لم يخاطر، بل الذي عرف أي خطر يستحق أن يخشاه، وأي خطر يستحق أن يديره، وأي خطر قد يصنعه هو بنفسه إذا توقف عن الحركة والنشاط.
وفي بلدٍ أنهكته سنوات الأزمة، ربما تكون أعظم مخاطرة على البنوك اليوم ليست أن تتحمل بعض المخاطر المحسوبة، بل أن تفقد القدرة على توليد النشاط، والسيولة، والثقة، والمستقبل.