اقتصادٌ نقديّ في زمن الرقمنة: ماذا تكشف أحدث دراسة أكاديمية عن الشمول المالي في اليمن؟

الدراسة متوفرة على الرابط التالي:
https://www.researchgate.net/publication/393091523_The_Reality_of_Financial_Inclusion_and_Crucial_Issues_in_Yemen

مدخل: لماذا تستحق هذه الدراسة القراءة؟

في بلد يعيش أطول أزمة إنسانية معاصرة، يبدو الحديث عن «الشمول المالي» ترفًا نظريًا. غير أن دراسة حديثة للباحث د. رمزي عبدالله أحمد حسن، الباحث في مرحلة الدكتوراه بجامعة SRTM في مدينة ناندد الهندية، تقلب هذه المعادلة: فهي تُقدّم الوصول إلى الخدمات المالية لا بوصفه رفاهية، بل بوصفه أحد شروط التعافي الاقتصادي نفسه.

الدراسة، المعنونة «The Reality of Financial Inclusion and Crucial Issues in Yemen»، نُشرت في مجلة Journal of Xidian University (المجلد 19، العدد 6، 2025). وتستمد أهميتها من كونها واحدة من المحاولات القليلة لتجميع صورة كمّية شاملة عن واقع القطاع المالي اليمني، في بيئة يُعدّ فيها الحصول على رقم موثوق تحديًا بحد ذاته.

البنية المؤسسية: قطاع صغير ومركّز في المدن

تبدأ الدراسة من الهيكل. النظام المصرفي اليمني يتكوّن — وفق ما ترصده — من 18 مصرفًا: ثمانية مصارف تجارية محلية بـ179 فرعًا، وخمسة مصارف إسلامية محلية بـ50 فرعًا، وخمسة مصارف أجنبية. رقمٌ متواضع بكل المقاييس، ويصبح أكثر دلالة حين نضيف إليه ملاحظة الباحث بأن هذه الفروع تتركّز في المناطق الحضرية، بينما يقيم نحو 70% من السكان في الريف.

ويتتبع البحث الجذور التاريخية للقطاع إلى أواخر القرن التاسع عشر، حين قدّم الصرافون والوكلاء التجاريون في عدن والحديدة خدمات مالية لدعم النشاط التجاري الإقليمي، قبل أن يفتتح البنك الهولندي فرعه في عدن عام 1894. وتوالى بعدها دخول المصارف الأجنبية: بنك الهند الصينية-السويس (1949)، والبنك الشرقي (1951)، وبنك الشرق الأوسط البريطاني (1952)، والبنك المعتمد (1953)، وصولًا إلى تأسيس بنك اليمن عام 1972 ليتولى مهام البنك المركزي.

أما المصارف الإسلامية فقد ظهرت عام 1996 استجابةً لحاجة اجتماعية ودينية، وسرعان ما تحوّلت إلى مكوّن رئيسي في السوق. وتعرض الدراسة جداول تفصيلية بتواريخ التأسيس: من بنك اليمن للإنشاء والتعمير (1962) إلى بنك قطر الوطني (2007) في الجانب التجاري، ومن بنك اليمن الإسلامي للتمويل والاستثمار (1995) إلى بنك الكريمي الإسلامي (2008) في الجانب الإسلامي.

التمويل الأصغر: وعدٌ لم يكتمل

يخصّص الباحث مساحة لافتة لمؤسسات التمويل الأصغر، ويقدّم أحد أدقّ التشخيصات في الورقة كلها. فمنذ إطلاق برنامج دعم التمويل الأصغر عام 1997 بإشراف الصندوق الاجتماعي للتنمية، بقي القطاع محكومًا بقانون الجمعيات رقم 1 لسنة 2001 — أي خارج مظلة البنك المركزي.

وهنا يكمن الخلل البنيوي الذي ترصده الدراسة: من ثماني مؤسسات نشطة، اثنتان فقط تعملان في الريف اليمني كما كان مخططًا. والسبب، كما يوضح الباحث، أن نموذج التمويل الأصغر غير مستدام لاعتماده على تمويل المانحين وحدهم، ما يحصر منتجاته في الفئات والأنشطة التي تحددها برامج الدعم، ويحرمه — لوقوعه خارج الإطار الرقابي — من القدرة على استخدام مدخرات الجمهور لتصميم منتجات تمويلية تستجيب للسوق. ومع تحوّل المانحين نحو القطاع الإنساني خلال النزاع، تراجعت حصة القطاع إلى 40% من حيث عدد المقترضين وقيمة المحفظة الائتمانية، بعد أن كانت تقارب 50%.

المؤشرات: رصدٌ كمّي لتدهور الشمول المالي

الجزء الأكثر أهمية في الدراسة هو الرصد الكمّي لتدهور الشمول المالي. والصورة قاسية:

مؤشرات الشمول المالي في اليمن
المؤشر القيمة السنة
البالغون (15 سنة فأكثر) بلا أي حساب مالي 94% 2014
من يملكون حسابًا مصرفيًا واحدًا على الأقل 10% 2019
من بينهم: أصحاب حسابات نقود إلكترونية 27% 2019
من أجروا دفعة رقمية (تعليم ثانوي فأعلى) 2% 2014
حاملو بطاقات الخصم أو الائتمان 2% 2011–2014
النساء اللواتي يملكن حسابًا ماليًا 2%
حصة النساء من مستخدمي الدفع الرقمي 13%

تنبيه منهجي: تورد الدراسة نسبة 10% لملكية الحسابات عام 2019، بينما تنقل لاحقًا عن البنك الدولي نسبة 14% لعام 2020؛ ويرجّح أن الفارق يعود إلى اختلاف التعريف (حساب مصرفي مقابل حساب مالي شامل النقود الإلكترونية).

وتوثّق الدراسة صدمتين حادّتين بين عامي 2015 و2016:

الأولى، تراجع عدد الحسابات المصرفية — شاملةً بنوك التمويل الأصغر وخدمات النقود الإلكترونية — بنسبة 40%، لتستقر عند نحو 2.4 مليون حساب يملكها 1.5 مليون يمني فقط، بمعدل 1.6 حساب للفرد الواحد؛ ما يشير إلى أن التوسع كان في عمق الاستخدام لدى الفئة المشمولة أصلًا، لا في اتساع قاعدتها.

الثانية، وهي الأشد دلالة: انهيار عدد بطاقات الصرف النشطة من أكثر من مليون بطاقة في 2014–2015 إلى 200 ألف بنهاية 2016 — أي فقدان 80% من القاعدة خلال عامين.

ويعزو الباحث ذلك إلى أزمة سيولة حادّة وعجز الحكومة عن دفع الرواتب وأدوات الدين العام، وما ترتب عليه من فقدان الثقة بالنظام المصرفي الرسمي. وهي نقطة جوهرية: الاستبعاد المالي في اليمن ليس مجرد نقص في البنية التحتية، بل هو أيضًا خيار سلوكي واعٍ من جمهور اكتوى بتجربة تجميد ودائعه.

المحافظ الإلكترونية: سوق محتكَر من طرف واحد

تعرض الدراسة بيانات نادرة عن خمس محافظ إلكترونية مصرفية بنهاية عام 2019، وتشير بصراحة إلى أن محافظ شركات الصرافة — رغم شعبيتها وسهولة فتح الحساب فيها — استُبعدت من التحليل لأنها لا تلتزم بتقديم تقارير مالية ولا تفصح عن عملياتها.

المحافظ الإلكترونية المصرفية في اليمن — نهاية 2019
المحفظة الجهة المشغّلة سنة الترخيص عدد العملاء نقاط البيع
M Floos بنك الكريمي 2015 646,211 7,620
Pyes بنك الأمل للتمويل الأصغر 102,989 1,547
Mobile Money بنك التسليف التعاوني والزراعي 2018 22,462 2,222
Floosqk بنك اليمن والكويت 2018 18,608 5,071
محفظتي بنك التضامن الإسلامي 2017 17,649 116
الإجمالي 807,919 16,576

ثلاث قراءات تحليلية تستحق التوقف:

أولًا — تركّز شديد

تستحوذ محفظة M Floos وحدها على 80% من إجمالي العملاء، تليها Pyes بـ12.7%، بينما تتقاسم المحافظ الثلاث الباقية 7.3% فقط. سوقٌ بهذه البنية لا يُنتج منافسة تدفع الأسعار للانخفاض أو الخدمة للتحسّن.

ثانيًا — لا علاقة خطّية بين نقاط البيع وحجم العملاء

فمحفظة Floosqk تملك 5,071 نقطة بيع لخدمة 18,608 عملاء (نقطة لكل 3.7 عميل)، بينما تخدم «محفظتي» عددًا مماثلًا من العملاء بـ116 نقطة فقط. ويلتقط الباحث هذه المفارقة صراحةً حين يلاحظ أن Mobile Money تفوق Pyes في نقاط البيع رغم أنها أقل منها بكثير في العملاء، مستنتجًا أن عوامل أخرى غير الانتشار الجغرافي تحكم الطلب — وهي فرضية خصبة تحتاج إلى بحث مستقل.

ثالثًا — رصيد ضئيل لكل حساب

تذكر الدراسة أن إجمالي رصيد M Floos بلغ 1,019,884,194.04، وهو ما يعني — بقسمته على عدد الحسابات النشطة — متوسطًا لا يتجاوز 1,578 وحدة نقدية للحساب الواحد. وإذا كانت الوحدة هي الريال اليمني، فإن الرقم يحمل دلالة استراتيجية بالغة: المحافظ الإلكترونية في اليمن تعمل كقناة تمرير للمعاملات، لا كوعاء ادخاري. المستخدم يودع ليصرف فورًا، لا ليحتفظ.

التشخيص: سبعة عوائق متشابكة

يحصر الباحث معوقات الشمول المالي في سبع مجموعات، أبرزها:

البنية التحتية والاتصالات

نصف السكان فقط يصلون إلى خدمات الاتصالات الأساسية. والأخطر أن مشغّلي شبكات الهاتف رفضوا تقديم خدمتَي USSD و IVR لمزوّدي خدمات الدفع الإلكتروني — وهما التقنيتان اللتان تتيحان تقديم الخدمة عبر رسائل مشفّرة إلى أي هاتف، لا الهواتف الذكية وحدها. وبغيابهما، يبقى الأميّون وذوو الدخل المنخفض في الريف — أي الفئة المستهدفة الأصلية بالشمول المالي — خارج المعادلة تمامًا. وهذه، في تقديرنا، أدق ملاحظة في الورقة كلها، لأنها تنقل المشكلة من مستوى «ضعف البنية» إلى مستوى قرار تجاري قابل للتغيير بقرار تنظيمي.

الفقر والأمية

معدل الفقر يتراوح بين 71% و78%، ومعدل معرفة القراءة والكتابة لدى البالغين 70.1%، مع فجوة جندرية حادة: أمية النساء 62.1% مقابل 29.8% للرجال، و85% من الأميين يقيمون في الريف.

الانهيار الاقتصادي الكلي

نصيب الفرد من الناتج المحلي هبط من 942 دولارًا (2014) إلى 240 دولارًا (2020)؛ والتضخم قفز من 3.3% إلى 27.2% في الفترة ذاتها؛ والاستثمار الأجنبي المباشر تهاوى من 2.2 مليار دولار (2012) إلى 30 مليون دولار (2019). كما أُغلق أكثر من نصف فروع المصارف بحلول عام 2020.

تشظّي المرجعية التنظيمية

يرصد الباحث أثر نقل البنك المركزي من صنعاء إلى عدن عام 2016: عملتان بفارق يصل إلى الضعف في سعر الصرف، وصعوبة في تبادل السلع والخدمات بين المنطقتين، وارتباك للمصارف المضطرة للتعامل مع مرجعيتين تفرض كل منهما قواعدها. ويضيف إلى ذلك غياب نظام التسوية الإجمالية الفورية (RTGS)، وتعليق الوصول إلى شبكة سويفت مؤقتًا قبل استعادته عام 2017.

نتائج اختبار الفرضيات

اختبرت الدراسة ثلاث فرضيات وقبِلتها جميعًا:

  • الدفع الرقمي يعزز الشمول المالي في الحضر أكثر منه في الريف — قُبلت، إذ يتركّز المستخدمون في المدن حيث البنية التحتية أفضل.
  • وصول النساء إلى الحسابات والخدمات المالية أدنى بكثير من الرجال — قُبلت، استنادًا إلى نسبة الـ2% والقيود الثقافية ومعدلات الأمية.
  • تشظّي المؤسسات التنظيمية وضعف البنية الرقمية يقلّلان فاعلية الخدمات المالية الإلكترونية وتبنّيها — قُبلت، بسبب تنازع القواعد التنظيمية وازدواج العملة وقصور البنية الرقمية.

قراءة نقدية: أين تقف الدراسة وأين تتوقف؟

بحكم الأمانة المهنية، ينبغي قراءة هذه النتائج ضمن حدودها، وقد أقرّ الباحث بجانب منها صراحةً:

فجوة زمنية جوهرية

تعترف الدراسة بأن نتائجها تعكس الوضع حتى عام 2019 وقد لا تلتقط الصورة الراهنة بالكامل. وهذا تحفّظ بالغ الأهمية: فسوق المحافظ اليمني شهد بعد 2019 تحولات كبرى — دخول مشغّلين جدد، وتغيّرات تنظيمية، وضغوط سيولة غير مسبوقة — لا تغطيها البيانات المعروضة. وأي استخدام لأرقام هذه الورقة في نقاش السياسات اليوم يجب أن يقترن بهذا التحفّظ.

تباين في الأرقام داخل النص

تذكر الدراسة نسبة 10% لملكية الحسابات عام 2019، ثم تورد لاحقًا — نقلًا عن البنك الدولي — أن 14% من البالغين يملكون حسابًا رسميًا لعام 2020. والفارق قد يعود إلى اختلاف التعريفات (حساب مصرفي مقابل حساب مالي شامل النقود الإلكترونية)، لكن الورقة لا توضّح ذلك، وهو ما كان يستحق تفسيرًا منهجيًا.

المنهج المختلط… اسمًا أكثر منه فعلًا

توصف الدراسة بأنها مختلطة (كمية ونوعية)، لكن جميع البيانات ثانوية مستمدة من تقارير البنك الدولي ومركز البحوث اليمني والمؤسسات المصرفية بين 2011 و2019. لا توجد استبانة ميدانية ولا مقابلات أولية، و«اختبار الفرضيات» هو في جوهره استدلال وصفي من بيانات منشورة، لا اختبار إحصائي بالمعنى الدقيق.

غموض وحدة القياس

لم تُحدَّد عملة رصيد محفظة M Floos، فيما يشير عنوان الشكل التوضيحي إلى وحدة «المليون» بما يتعارض مع القيمة المعروضة — وهو التباس يستدعي التوثيق في أي استشهاد لاحق بالرقم.

الخلاصة والتوصيات

تنتهي الدراسة إلى أن تحسين الوصول المالي في اليمن يتطلب حزمة متكاملة: بنية تحتية أفضل، وتثقيف مالي موسّع، وتنسيق أقوى بين المؤسسات المالية. وتشدد على أن أنظمة الدفع الرقمي تملك القدرة على ردم جزء من الفجوة، لكن فاعليتها تظل مقيدة بضعف الاتصالات وتدني الثقافة المالية والحواجز الثقافية — وأن تجاوز ذلك يستلزم مقاربة منسّقة تجمع الجهات الحكومية والمؤسسات المالية ومشغّلي الاتصالات.

وتبقى الرسالة الأعمق للورقة — وإن لم تصغها بهذه الصيغة — أن المحافظ الإلكترونية في اليمن ليست الحل، بل هي عرَض. إنها استجابة تكيّفية لاقتصاد نقدي منهار وثقة مصرفية مفقودة، لا نتاج استراتيجية شمول مالي مدروسة. وما لم تُعالَج الجذور الثلاثة — تشظّي المرجعية النقدية، وغياب بنية اتصالات متاحة للجميع، وانعدام الثقة الموروث من 2015 — فإن الرقمنة ستنتج نسخة إلكترونية من الاستبعاد ذاته: خدمة حضرية، ذكورية، وعالية الكلفة على من هم في أمسّ الحاجة إليها.

بطاقة الدراسة

بيانات النشر
العنوان The Reality of Financial Inclusion and Crucial Issues in Yemen
الباحث د. رمزي عبدالله أحمد حسن — باحث دكتوراه، جامعة SRTM، ناندد، الهند
الدورية Journal of Xidian University — المجلد 19، العدد 6، 2025 (ص 1748–1771)
الترقيم الدولي ISSN 1001-2400
المعرّف الرقمي 10.5281/Zenodo.15754710
التواريخ استُلمت 27 مايو 2025 — قُبلت 26 يونيو 2025 — نُشرت 27 يونيو 2025
تصنيف JEL G21, O16, I30, P48
الكلمات المفتاحية الشمول المالي، المدفوعات الرقمية، الاقتصاد اليمني، الثقافة المالية، أثر النزاع