عملة واحدة وسعران: من يدفع فاتورة الانقسام النقدي في اليمن؟

image_pdf

في الأول من أغسطس 2026، كان الدولار يُباع في عدن بنحو 1,565 ريالاً. في اليوم نفسه، وعلى بعد أقل من 400 كيلومتر، كان يُباع في صنعاء بـ533، بحسب بيانات مبادرة تتبع الاقتصاد اليمني (YETI).
عملة واحدة، اسم واحد، وفارق يقارب 3 أضعاف. الرقم لم يعد يثير دهشة أحد في اليمن، بينما هو في الواقع فاتورة يومية يسددها التاجر والمستورد، ثم يمررانها إلى المستهلك.
الانقسام ليس ظاهرة سعرية عابرة، بل نتيجة مسار مؤسسي محدد. ففي 2016 نُقل مقر البنك المركزي من صنعاء إلى عدن، فنشأت سلطتان نقديتان: واحدة تملك الاعتراف الدولي والوصول إلى شبكة سويفت، وأخرى تسيطر على المركز التجاري والمصرفي الفعلي وعلى معظم الكوادر والسجلات. ومطلع 2020 حظرت سلطات صنعاء تداول الأوراق النقدية المطبوعة بعد 2016 في مناطق سيطرتها. عندها صار للريال طبعتان: «قديمة» في الشمال، و«جديدة» في الجنوب والشرق. ومع توسّع نقدي في عدن لتمويل عجز الموازنة، مقابل عرض مجمّد ومقيَّد إدارياً في الشمال، اتسعت الفجوة حتى بلغت ما هي عليه اليوم.
لسنوات، انصبّ الاهتمام على الانهيار وحده. في منتصف يوليو 2025 لامس الدولار في عدن 2,905 ريالات، وهو أسوأ رقم في تاريخ العملة. ثم تحرك البنك المركزي في عدن: تشديد على سوق الصرافة، سحب تراخيص، وإنشاء لجنة وطنية لتنظيم وتمويل الواردات. ارتفع الريال بأكثر من 44% خلال أسابيع، ولم يتجاوز 1,700 ريال منذ أغسطس 2025، متحركاً في الربع الثاني من 2026 ضمن نطاق ضيق بين 1,562 و1,573.
الاستقرار حقيقي. لكنه، بدل أن ينهي الأزمة، كشف عن أخرى كانت مختبئة خلف ضجيج التقلّب: الاقتصاد اليمني لم يعد سوقاً واحدة تعاني من سعر صرف سيئ. صار فضاءين نقديين منفصلين لا يلتقيان إلا عبر بوابة الدولار أو الريال السعودي — وكل عبور عبر هذه البوابة له ثمن.
أين يذهب «الفارق» فعلاً؟
في النقاش العام تتكرر فكرة واحدة: التاجر الذي يشتري بريال صنعاء ويبيع بريال عدن يربح أضعافاً. الفكرة مريحة، وخاطئة.
مثال ذلك بائع خضار في عدن، وثّقت حالته تقارير ميدانية في صيف 2025 حين كان الدولار في المدينة عند نحو 2,830 ريالاً: يشتري سلة الطماطم من مناطق سيطرة الحوثيين بـ5,000 ريال من الطبعة القديمة، ويحتاج إلى 30,000 من الطبعة الجديدة ليسدد ثمنها في عدن. الرقمان مختلفان تماماً، لكن القيمة الحقيقية واحدة تقريباً: 9.4 دولار مقابل 10.6 دولار. الفارق بينهما ليس ربحاً، بل كلفة الطريق — نقل، وجباية تتكرر، ووسطاء، وعلاوة مخاطرة.
من يلتقط جزءاً حقيقياً من هذه الفجوة هي شبكات الوساطة والتهريب النقدي التي تحرّك العملة الصعبة والأوراق القديمة بين المنطقتين. أما المستورد النظامي فيدفع الجباية مرتين، ويتحمل احتمال أن تبقى حاويته في الميناء أسابيع.
الفارق بين التفسيرين ليس ترفاً تحليلياً. حين تُبنى سياسة على فرضية أن التاجر مستفيد، تكون النتيجة تسعيراً قسرياً يربك الإمداد ولا يخفض شيئاً.
بندان يستنزفان الهامش
الأول: هامش الصرف. كل معاملة تعبر خط التماس تمر بتحويلين — من ريال إلى عملة صعبة، ومنها إلى الريال الآخر. وتشير تسعيرة السوق النقدي في أواخر يوليو 2026 إلى فارق بين البيع والشراء يبلغ نحو 1.35% في عدن و0.93% في صنعاء، أي ما يقارب 2.3% في الاتجاه الواحد، قبل العمولات ورسوم التحويل.
نسبة تبدو تافهة. لكن التاجر لا يعبر مرة واحدة في السنة؛ فإذا دوّر رأس ماله العامل 6 مرات، التهمت هذه النسبة وحدها نحو 14% منه. هامش الربح في تجارة الجملة للسلع الاستهلاكية لا يصمد أمام رقم كهذا.
الثاني: تمويل الاستيراد. قبل الحرب كانت الاعتمادات المستندية تمر عبر جهاز مصرفي واحد. بعد انقسام البنك المركزي، وانقطاع سويفت عن صنعاء، وانسحاب البنوك المراسلة الدولية تحت ضغط اشتراطات مكافحة غسل الأموال، انتقل تمويل الواردات إلى شركات الصرافة والحوالة.
رقم واحد يلخص التحول: النقد المتداول خارج الجهاز المصرفي ارتفع من 811 مليار ريال في 2014 إلى 3.3 تريليون في 2024، فيما لا يتجاوز الشمول المالي 12% من البالغين، وفق أرقام أوردها مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية في ورقته حول تمويل التجارة. تمويل أغلى، أقصر أجلاً، وبلا حماية قانونية تُذكر. الفرق يُسعَّر في السلعة.
اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الواردات، التي أُنشئت في يوليو 2025، نجحت في تثبيت الريال. لكنها أضافت طبقة موافقات جديدة، وربطت منذ سبتمبر من العام نفسه الإفراج الجمركي بتصريح من وحدتها الفنية، فتكدست حاويات في ميناء عدن. وقابلت سلطات صنعاء الآلية بالمنع، فوجد المستورد العابر للخطين نفسه ملزماً بنظامين رقابيين ينكر كل منهما الآخر.
قفزة الدولار الجمركي
ظل السعر المعتمد لاحتساب الرسوم الجمركية متخلفاً عن السوق سنوات: 250 ريالاً حتى 2021، ثم 500، ثم 750 مطلع 2023. في مايو 2026 حررته الحكومة للسلع غير الأساسية فقفز إلى نحو 1,550.
منطق الخزينة واضح. فبحسب ما صرّح به المستشار الاقتصادي في رئاسة الجمهورية لموقع الجزيرة نت، لم تتجاوز إيرادات الدولة من الجمارك والضرائب والعوائد الأخرى 698 مليار ريال في 2025 — نحو 443 مليون دولار — مقابل عائدات نفطية سابقة تتخطى مليار دولار سنوياً وتشكل بين 70 و75% من موارد الدولة. ويرى المسؤول نفسه أن الإبقاء على الدولار الجمركي المنخفض كان يخدم فئة من التجار الذين يسددون رسوماً مخفّضة ثم يبيعون بأسعار السوق.
الأثر على المستورد، مع ذلك، ليس تفصيلاً. حاوية سعة 40 قدماً بقيمة 30,000 دولار، برسوم مركّبة 15%، كانت تكلف صاحبها ما يعادل 2,157 دولاراً رسوماً — 7.2% من قيمتها. بعد التحرير صارت تكلفه 4,457 دولاراً، أي 14.9%. تضاعف العبء دفعة واحدة.
هنا يفسَّر التباعد اللافت في التقديرات: الحكومة تحدثت عن ارتفاع في الأسعار بين 2 و4%، قد يبلغ 8%؛ ومستوردون في عدن قدّروه بين 20 و35% لبعض السلع. الطرفان لا يقيسان الشيء نفسه. الأول يحسب الرسوم وحدها، والثاني يضيف الوقود والنقل والتخزين ورأس المال المجمّد.
أن تدفع مرتين على الشحنة الواحدة
الشحنة التي تدخل عبر ميناء عدن ثم تتجه شمالاً تخضع لدورة تحصيل ثانية عند نقاط سيطرة صنعاء. وحتى داخل مناطق الحكومة، رصدت تقارير محلية على خط الضالع الرابط بين المدينتين رسوماً تُجبى من سائقي الشاحنات تحت مسمى «صندوق تنمية المحافظة».
الأثر المحاسبي معروف. الأثر السلوكي أهم: كثير من التجار وجدوا أن الأجدى هو بناء سلسلتي توريد منفصلتين، واحدة لكل منطقة — استيراد منفصل، مخزون منفصل، وكيل منفصل. أي التخلي عن وفورات الحجم في سوق ضيقة أصلاً.
مخاطر لا تتوزع بالتساوي
صيف 2025 قدّم درساً يستحق التوقف. حين ارتفع الريال بأكثر من 44%، لم تنخفض الأسعار بالوتيرة نفسها، فوُجّهت للتجار تهمة الاحتكار. الصورة أعقد: المخزون في الأسواق كان قد اشتُري بالتزامات دولارية عند سعر صرف أضعف بكثير، وأي خفض فوري كان يعني بيعاً دون الكلفة. مجموعة هائل سعيد أنعم، أكبر التكتلات التجارية في البلاد، حذّرت وقتها صراحة من أن فرض أسعار أدنى بلا ضمانات لاستقرار سعر الصرف قد يقود إلى اضطراب في الإمداد وإفلاسات في حلقات التصنيع والجملة والتجزئة.
النتيجة أن مخاطر سعر الصرف غير متماثلة: الخسارة تقع كاملة على التاجر حين يرتفع الدولار، ولا يُسمح له بالاحتفاظ بالمكسب حين ينخفض. وعلاوة المخاطرة الناتجة تعود فتُسعَّر في الهامش.
طبقة الامتثال
منذ تصنيف جماعة الحوثي منظمةً إرهابية أجنبية في يناير 2025، وما تلاه من عقوبات طالت بنوكاً يمنية، نقلت معظم البنوك عملياتها الرئيسية إلى عدن بحلول يوليو من العام نفسه. المستورد صار مطالباً بالامتثال في اتجاهين متضادين: اشتراطات دولية من جهة، وسلطة أمر واقع من جهة أخرى.
وفي أبريل 2026 ألغت السلطات في صنعاء تراخيص 4,225 وكالة تجارية، بعضها قائم منذ سبعينيات القرن الماضي. بالنسبة لصاحب الوكالة، هذا ليس إجراءً إدارياً؛ إنه الأصل غير الملموس الذي بُني عليه نشاطه كله.
ولا ينبغي تحميل الانقسام النقدي كل شيء. فرسوم المخاطر المرتبطة بالملاحة بلغت نحو 3,000 دولار للحاوية سعة 40 قدماً، بما يرفع كلفة الاستيراد إلى اليمن بنحو 15%. لكن الانقسام يعمل هنا كمضاعِف: يجبر التاجر على تجميد سيولة أكبر، ويطيل دورة التحصيل، ويحرمه من أدوات التحوّط.
استقرار لا يصل إلى الرفوف
المؤشر الأهم على حدود ما تحقق هو الفجوة بين سعر الصرف والحياة اليومية. رغم ثبات الريال، ارتفعت أسعار الوقود المحلية بين 40 و44% خلال عام — مقوَّمة بالدولار لا بالريال. وفي مايو 2026 بلغ الاستهلاك الغذائي غير الكافي 62% على المستوى الوطني، متجاوزاً عتبة الخطورة المرتفعة في كل المحافظات.
وعلى المستوى الكلي، يشير المرصد الاقتصادي لليمن الصادر عن البنك الدولي في ربيع 2026 إلى انكماش الناتج المحلي الحقيقي 1.5% في 2025، مع توقع انكماش إضافي 0.5% في 2026، فيما تراجعت الإيرادات العامة إلى 5.6% من الناتج.
عدن نجحت في تثبيت السعر ولم تنجح في تثبيت القدرة الشرائية. وثبات سعر صنعاء بدوره ثبات إداري مفروض بالتسعيرة والعقوبة، يتعايش مع أزمة سيولة خانقة وارتفاع في أسعار الغذاء بلغ 13% بين فبراير ومايو 2026.
ما الذي يمكن فعله قبل الحل السياسي؟
الخلاصة التي تتقاطع عندها الدراسات المتخصصة أن جذر المشكلة سياسي: لا توحيد للسياستين النقدية والمالية دون تقدم في مسار التسوية. وأي معالجة تقنية جزئية ستبقى محدودة الأثر ما دام الانقسام المؤسسي قائماً.
لكن الانتظار ليس سياسة. المقترح الأكثر واقعية المطروح اليوم، هو إنشاء قناة تمويل محايدة للسلع الأساسية وحدها: الغذاء والدواء والوقود ومدخلات الإنتاج. قناة مُسيَّجة عن التنافس اليومي بين المركزيين، تتولى الاعتمادات المستندية وتخصيص العملة الصعبة بإشراف فني مشترك وتيسير دولي. ليست حلاً للانقسام، لكنها تحمي منه الحد الأدنى الذي لا يحتمل التأجيل.
في بلد يستورد نحو 90% من غذائه الأساسي، لم تعد كلفة الازدواج النقدي شأناً يخص البنوك والتجار. إنها تدخل، بضعة ريالات في كل مرة، في سعر كيس الدقيق ولتر الديزل وعلبة الدواء. والفاتورة تتراكم يومياً، بانتظار قرار سياسي أو حل جذري لا يبدو قريباً

Share