الإحاطة الاقتصادية اليومية
الأربعاء ٢٦ أغسطس ٢٠٢٦
أكثر من ٧٠ بالمئة من الأوراق النقدية المتداولة ممزقة أو تالفة، مع إحجام التجار عن قبولها وتجميد عقود طباعة العملة.
البنوك تقصر السحب اليومي على ٨٠ ألف ريال للعميل الواحد، وسط تعطل في صرف الرواتب.
مؤسسات حكومية تودع أموالها لدى شركات الصرافة بدل البنك المركزي، ما يخلق قنوات مالية موازية.
برنت يهبط ٢٫٦ بالمئة إلى ٨٦٫٢ دولاراً في ثالث جلسة تراجع، مع تجدد مفاوضات عُمان وإيران بشأن هرمز.
الإجراءات الأميركية ضد إيران جاءت أقل حدة مما توقعت الأسواق، إذ لم تشمل عقوبات ثانوية مباشرة على شركاء طهران التجاريين.
الاقتصاد اليمني
أزمة أوراق نقدية لا أزمة نقود
تعاني مناطق الحكومة أزمة سيولة تعطّل صرف الرواتب وترهق المواطنين والتجار على حد سواء.
وأفاد مصدر مقرب من إدارة البنك المركزي في عدن بأن من أسباب الأزمة تجميد عقود طباعة العملة، وإحجام التجار عن قبول الأوراق النقدية الممزقة والتالفة، والتي تمثل أكثر من ٧٠ بالمئة من الأوراق المتداولة، مع إصرار كثير من السكان على تخزين الأوراق السليمة في منازلهم.
وتكتفي البنوك بمنح كل عميل يحاول السحب من رصيده ٨٠ ألف ريال يومياً فقط.
ويرى الخبير الاقتصادي عبد السلام الأثوري أن الأزمة ليست نقصاً في النقد، بل نتيجة اختلالات هيكلية عميقة في إدارة المال العام والنظام النقدي، إذ خرجت كتل نقدية كبيرة من الجهاز المصرفي، ما أضعف قدرة البنك المركزي على التحكم بالسيولة.
ويشير إلى تآكل القنوات الرسمية للإيرادات، مع إيداع مؤسسات حكومية أموالها لدى شركات الصرافة بدل البنك المركزي، ما خلق قنوات مالية موازية.
كما يبرز اختلال الإنفاق العام، خاصة في الرواتب، حيث تُصرف أموال لأسماء وهمية أو غير فعالة، وتتسرب لاحقاً إلى المضاربة وتحويل الأموال للخارج.
لماذا يهم؟
التمييز بين أزمة النقود وأزمة الأوراق النقدية ليس ترفاً لغوياً، بل يحدد العلاج المطلوب.
فأزمة النقود تعني نقصاً في الكتلة النقدية، وعلاجها إصدار أو ضخ. أما أزمة الأوراق النقدية فتعني أن المال موجود لكنه غير صالح للتداول أو غير موجود داخل البنوك.
وحين تُصنَّف الأزمة خطأً، يكون العلاج ضاراً. فطباعة عملة جديدة لمعالجة أزمة تلف أوراق تضيف كتلة نقدية دون سبب اقتصادي، فتضغط على الأسعار دون أن تحل المشكلة الأصلية.
والأخطر أن خروج النقد من الجهاز المصرفي يعطّل الأداة الأهم لدى البنك المركزي. فالسياسة النقدية تعمل عبر البنوك، وحين يجري جزء كبير من التعامل خارجها، تفقد قرارات المركزي جزءاً من أثرها بصرف النظر عن جودتها.
ويكتسب هذا دلالة إضافية في ضوء ما أوردته إحاطة الاثنين عن فجوة تقارب ١١٠٠ مليار ريال بين التزامات القطاع المصرفي بالعملة الأجنبية وأصوله منها. فالمشكلتان وجهان لحالة واحدة: جهاز مصرفي تتقلص فيه الموارد بينما تتسع الالتزامات.
كلفة تشغيلية لا تظهر في المؤشرات
تحمل أزمة الأوراق النقدية كلفة تشغيلية يومية لا يقيسها أي مؤشر رسمي.
فحد السحب اليومي البالغ ٨٠ ألف ريال يعني أن العميل الذي يحتاج مبلغاً أكبر مضطر إلى مراجعة البنك أياماً متتالية، بما يستهلكه ذلك من وقت وأجرة نقل.
ورفض التجار للأوراق التالفة يخلق سعرين ضمنيين للسلعة الواحدة: سعر بالورقة السليمة وسعر أعلى بالتالفة، أو رفضاً كاملاً للبيع.
وصرف الرواتب بفئات صغيرة يحمّل الموظف كلفة إضافية في التبديل، فضلاً عن صعوبة عملية في حمل المبلغ نفسه.
وهذه كلها اقتطاعات فعلية من القدرة الشرائية، لا تظهر في أي رقم معلن.
الاقتصاد العربي
مفاوضات هرمز تستأنف
أعلنت إيران استئناف محادثاتها مع سلطنة عُمان بشأن إدارة حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وهو ما دفع أسعار النفط إلى التراجع لليوم الثالث.
وكانت وزارة الخارجية القطرية قد أشارت إلى أن المحادثات بلغت مرحلة متقدمة، مع رغبة الدوحة في إعادة فتح الممر في أقرب وقت.
ويبقى الانفراج غير مؤكد، إذ يتوقع المحللون استمرار التقلب العالي ما دامت إعادة الفتح بعيدة عن الحسم.
العقوبات الأميركية أقل حدة من المتوقع
جاءت الإجراءات الأميركية المعلنة الاثنين أقل حدة مما توقعته الأسواق، إذ توقفت واشنطن دون فرض عقوبات ثانوية مباشرة على شركاء إيران التجاريين.
واكتفى وزير الخزانة بمنح الدول المتعاملة مع طهران مهلة لإنهاء روابطها، دون تحديد موعد نهائي.
والأهمية لليمن أن تخفيف حدة الإجراءات يقلل احتمال التشدد المفرط في قنوات التحويل الإقليمية، وهو ما كانت إحاطة الاثنين قد نبّهت إليه بوصفه خطراً محتملاً.
لكن الحكم النهائي يبقى مرهوناً بسلوك البنوك المراسلة خلال الأسابيع المقبلة، لا بنص الإعلان.
الاقتصاد العالمي
برنت يهبط إلى ٨٦ دولاراً
واصلت أسعار النفط تراجعها لليوم الثالث اليوم الأربعاء، إذ هبط برنت ٢٫٦ بالمئة إلى ٨٦٫٢ دولاراً للبرميل، وتراجع خام غرب تكساس ٢٫٥ بالمئة إلى ٨٠٫٣ دولاراً.
وجاء التراجع بعد هبوط تجاوز ٣ بالمئة في الجلسة السابقة، مع تقييم المتعاملين لاحتمال تحسن تدفقات النفط عبر الممر.
وبذلك يكون الخام قد فقد نحو ثمانية دولارات للبرميل خلال ثلاث جلسات، بعد أن كان قد أنهى الأسبوع الماضي عند ٩٤٫٣٩ دولاراً.
ويعكس الهبوط انحساراً في علاوة المخاطر الجيوسياسية أكثر مما يعكس تغيراً في أساسيات السوق.
نطاق واسع للنصف الثاني من العام
يتوقع بنك كومنولث أستراليا تداول برنت بين ٧٠ و١٠٠ دولار للبرميل في النصف الثاني من ٢٠٢٦.
وأشار البنك إلى أن الأسعار قد تتجه نحو الحد الأدنى من هذا النطاق إذا تعافت التدفقات عبر هرمز ولو جزئياً، مقدّراً أن عودة ٥٠ إلى ٦٠ بالمئة من الكميات قبل الحرب كافية لإحياء توقعات فائض المعروض العالمي.
والدلالة أن السوق لا تحتاج انفراجاً كاملاً لتنخفض، بل عودة جزئية معقولة، وهو سيناريو أقرب إلى التحقق من إعادة فتح كاملة.
أجندة الأسبوع
اليوم الأربعاء: بيانات مخزونات النفط الأميركية الرسمية من إدارة معلومات الطاقة.
الخميس ٢٧ أغسطس: القراءة الثانية للناتج المحلي الأميركي للربع الثاني، وطلبات إعانة البطالة الأسبوعية.
الجمعة ٢٨ أغسطس: مؤشر أسعار الإنفاق الاستهلاكي الشخصي لشهر يوليو.
التاسع من سبتمبر: الإصدار المقبل لتقرير آفاق الطاقة قصيرة الأمد.
والصلة باليمن أن استمرار تراجع النفط أسبوعاً إضافياً قد ينعكس على كلفة الشحنات المتعاقد عليها في سبتمبر، وهو أول تحسن محتمل في فاتورة الاستيراد منذ أسابيع.
التحليل
نقدٌ خارج البنوك ونافذة تنفتح في الخارج
تجتمع اليوم إشارتان متعاكستان في الاتجاه: ضغط داخلي يتفاقم، وانفراج خارجي محتمل.
الضغط الداخلي أن النقد يغادر الجهاز المصرفي. مؤسسات حكومية تودع لدى شركات الصرافة، وأفراد يخزّنون الأوراق السليمة في منازلهم، وأكثر من ٧٠ بالمئة من المتداول تالف يرفضه التجار.
وهذا أخطر من نقص السيولة بمعناه المحاسبي، لأنه يعني أن جزءاً متزايداً من النشاط الاقتصادي يجري خارج النظام المصرفي. وما يجري خارج النظام لا يُقاس ولا يُنظَّم ولا يُموَّل، ولا تصله أدوات السياسة النقدية.
والمفارقة أن البنك المركزي حقق تقدماً مؤسسياً حقيقياً هذا العام في تنظيم تمويل الاستيراد وتوحيد الحوالات وضبط الصرافة. لكن هذه الأدوات تعمل على ما يمر عبر النظام، وحصة النظام من الاقتصاد تتقلص.
أما الانفراج الخارجي فيتمثل في هبوط برنت نحو ثمانية دولارات خلال ثلاث جلسات مع استئناف مفاوضات هرمز. وتقدير بنك كومنولث أستراليا أن عودة ٥٠ إلى ٦٠ بالمئة فقط من التدفقات كافية لإحياء توقعات الفائض يجعل السيناريو الإيجابي أقرب مما بدا قبل أسبوع.
لكن الإحاطات السابقة رصدت أن أسعار المشتقات في عدن لم تتحرك منذ الرابع من أغسطس رغم تقلب برنت في الاتجاهين. أي أن أي انخفاض عالمي سيحتاج أسابيع ليصل، وسيصل منقوصاً بفعل كلفة التأمين وضيق المنافذ.
والخلاصة أن الانفراج الخارجي، إن تحقق، سيخفف الفاتورة لكنه لن يعالج الخلل الداخلي. فمشكلة خروج النقد من البنوك ليست مشكلة سعر نفط، بل مشكلة ثقة وقنوات وحوكمة. وهذه لا يصلحها انخفاض في سعر البرميل مهما بلغ.
وتبقى أربعة مؤشرات تحت المراقبة: أي إجراء معلن بشأن استبدال الأوراق النقدية التالفة أو استئناف عقود الطباعة، ومسار حد السحب اليومي في البنوك، ومدى تقدم مفاوضات عُمان وإيران، وأول تغيّر في أسعار المشتقات المحلية بعد ثلاثة أسابيع من الثبات.
