لم يعد صعود كرة القدم السعودية قصة استقطاب نجوم فحسب. فوفق تقرير «براند فاينانس» لعام 2026، تنتقل الأندية السعودية إلى مرحلة أكثر تعقيداً: تحويل الاهتمام الجماهيري والنجاح الرياضي إلى قيمة تجارية قابلة للاستدامة. وهي المرحلة التي تفصل عادةً بين نادٍ يشتري الحضور ونادٍ يبنيه.
ويقيس التقرير ما يُعرف بـ«مؤشر قوة العلامة التجارية» على مقياس من 100 نقطة، مستنداً إلى مسوح جماهيرية وبيانات تجارية، لا إلى الإيرادات وحدها.
| النادي | مؤشر قوة العلامة 2026 | التغير عن 2025 |
|---|---|---|
| الهلال | 80.4 | الأول سعودياً |
| النصر | 79.8 | +3.0 نقطة |
| الأهلي | 75.5 | +2.9 نقطة |
| الاتحاد | 70.9 | -5.9 نقطة |
الهلال: كأس العالم للأندية كمنصة انتشار
استثمر الهلال مشاركته في كأس العالم للأندية 2025 بوصفها نافذة عرض عالمية، فحقق 438 مليون مشاهدة لمقاطع الفيديو، و1.3 مليار ظهور رقمي، إلى جانب استقطاب مليون متابع جديد.
وبلغ إجمالي متابعيه عبر المنصات الرقمية 42.5 مليون متابع، أكثر من نصفهم من خارج السعودية. وهذه النسبة تحديداً هي الأهم في التقرير، لأنها تعني أن جمهور النادي لم يعد محلياً بحكم التعريف، وأن جزءاً من قيمته صار قابلاً للتسويق خارج السوق المحلية.
النصر: أثر رونالدو وحدوده
سجّل النصر ارتفاعاً بثلاث درجات مقارنة بعام 2025 ليصل إلى 79.8 نقطة، مستفيداً من الحضور العالمي لكريستيانو رونالدو الذي جعل النادي بوابة دخول لملايين المتابعين إلى الدوري السعودي.
غير أن هذا المكسب يحمل هشاشته معه: حين يرتبط جزء معتبر من قوة العلامة بحضور لاعب واحد، فإن قيمتها تصبح مرهونة بعقد قابل للانتهاء، ما لم يجرِ تحويل ذلك الحضور إلى بنية تجارية قائمة بذاتها.
الأهلي والاتحاد: قراءتان متعاكستان
حقق الأهلي قفزة بـ2.9 درجة ليبلغ 75.5 نقطة، في المقابل تراجع مؤشر الاتحاد بـ5.9 درجات إلى 70.9 نقطة رغم امتلاكه أسماء عالمية.
والفارق بين الحالتين هو الدرس الأوضح في التقرير: استقطاب النجوم وحده لا يُترجم تلقائياً إلى علامة تجارية قوية. فالنتائج الرياضية، والاستقرار الإداري، وعمق الارتباط بالجماهير، والقدرة على الحفاظ على الزخم التجاري، كلها عوامل تدخل في المعادلة، وغيابها يُفقد الإنفاق أثره.
جمهور عابر للحدود
لا يقتصر التوسع على الأندية منفردة. فبحسب التقرير، باتت 28% من جماهير كرة القدم حول العالم تتابع الدوري السعودي، بينما يتابع 87% من عشاق كرة القدم داخل المملكة منافسات دوري المحترفين. وهي أرقام تصف انتقال الدوري من منتج محلي إلى منتج إعلامي قابل للتصدير.
الصورة العالمية: تركّز شديد للقيمة
عالمياً، حافظ ريال مدريد على صدارة أغلى العلامات التجارية لأندية كرة القدم للعام الثالث على التوالي بقيمة 2.4 مليار يورو، يليه برشلونة بملياري يورو، ثم أرسنال بـ1.5 مليار يورو.
وبلغ إجمالي قيمة أغلى 50 علامة تجارية كروية 23.9 مليار يورو، تستحوذ الأندية العشرة الأولى على أكثر من 60% منها. وهو مؤشر على أن القيمة في هذا السوق تتركّز في القمة، وأن دخول ناد جديد إلى تلك المنطقة يتطلب أكثر من إنفاق موسم أو موسمين.
كيف تُقاس قوة العلامة التجارية؟
لا تعتمد منهجية «براند فاينانس» على البطولات والإيرادات فقط، بل تشمل السمعة، وحجم القاعدة الجماهيرية ومستوى ولائها، والحضور العالمي، وجاذبية اللاعبين، والتأثير الثقافي، وقوة الرعايات والشراكات. أي أن المؤشر يقيس أصلاً غير ملموس، لكنه قابل للتسعير عند التفاوض على حقوق البث والرعاية.
ما الذي يعنيه ذلك إقليمياً؟
أولاً: الرياضة بوصفها قطاعاً اقتصادياً. تتعامل السعودية مع كرة القدم ضمن مسار تنويع مصادر الدخل، لا بوصفها نشاطاً ترفيهياً. وهذا يعيد توزيع أموال الرعاية وحقوق البث وسوق اللاعبين داخل المنطقة، ويرفع سقف المنافسة على الكوادر الإدارية والفنية في الأندية العربية الأخرى.
ثانياً: القيمة تُبنى ولا تُشترى. تراجع الاتحاد رغم إنفاقه هو الدرس الأكثر قابلية للتعميم خارج الملاعب: الإنفاق الكبير غير المسنود ببنية مؤسسية مستقرة ونتائج متراكمة لا ينتج أصلاً دائماً. وهي قاعدة تنطبق على أي محاولة لبناء قيمة مؤسسية في بيئات هشة الإدارة.
ثالثاً: اليمن خارج هذه الخريطة حالياً. غياب دوري محترفين مستقر وبنية تحتية رياضية وتمويل منتظم يجعل الاستفادة اليمنية غير مباشرة في الأساس، وتمر عبر قناتين: احتراف اللاعبين اليمنيين في أندية الخليج، وما يتصل بذلك من تحويلات وخبرات. أما بناء قيمة رياضية محلية فيبقى مشروطاً بإعادة تأسيس الاتحادات والأندية قبل الحديث عن أي عائد تجاري.
خلاصة
لا تحكي أرقام التقرير قصة كرة قدم بقدر ما تحكي قصة إدارة أصول. ملايين المتابعين مادة خام، والتحدي الأصعب هو تحويلهم إلى جماهير دائمة وعلامات تجارية قادرة على توليد قيمة اقتصادية لسنوات، لا على جذب الانتباه لموسم واحد.
المصادر: تقرير «براند فاينانس» لأقوى وأغلى العلامات التجارية لأندية كرة القدم 2026؛ الشرق بلومبرغ.
