تقدير موقف
أغسطس 2026 — د. سعد النخلاني
فرص نجاح أجندة الإصلاح المالي في اليمن: بين مرساة خارجية وموازنة متضخمة
أول موازنة منتظمة منذ سبع سنوات وتحرير للدولار الجمركي وبرنامج مع صندوق النقد، مقابل افتراض بمضاعفة التحصيل في عام واحد وفاتورة أجور تتوسّع
تدخل أجندة الإصلاح المالي للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا مرحلة مختلفة نوعيًا عن كل محاولات الإصلاح السابقة. فخلال ثمانية أشهر فقط، أقرّت الحكومة أول موازنة عامة منتظمة منذ نحو سبع سنوات في الأول من مارس 2026، وأطلقت برنامج عمل حكوميًا بست أولويات استراتيجية استنادًا إلى قرار مجلس القيادة الرئاسي رقم (11) لسنة 2025 بشأن أولويات الإصلاح الاقتصادي، ثم حرّرت سعر الدولار الجمركي في منتصف مايو برفعه من 750 إلى 1550 ريالاً للسلع غير الأساسية، وأقرّت في يونيو الخطة الاستراتيجية قصيرة المدى لوزارة المالية 2026–2027، وأجرت تغييرات قيادية واسعة في وزارة المالية ومصلحتي الضرائب والجمارك. وتُوّج هذا المسار في 16 يوليو 2026 بتوافق على مستوى الخبراء مع صندوق النقد الدولي على برنامج مراقبة مدته 18 شهرًا.
ويكتسب هذا التراكم أهميته من كونه يجري في بيئة سياسية أُعيد تشكيلها. فقد شهد يناير 2026 حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي واستعادة الحكومة السيطرة على مناطق جنوبية، ضمن إعادة ترتيب سعودية لموازين القوى في مناطق سيطرة الحكومة. وهي المرة الأولى التي تجتمع فيها ثلاثة عوامل ظلّت مفقودة طوال عقد: تماسك نسبي في مركز القرار المالي، ومرساة خارجية مؤسسية، وإطار موازني رسمي قابل للمساءلة. غير أن هذا التراكم النصّي والمؤسسي يواجه اختبارًا لم تجتزه أي من الخطط السابقة: الانتقال من الإقرار إلى التنفيذ.
وتكشف قراءة أرقام الموازنة نفسها عن التوتر الجوهري في الأجندة. فبينما تُقدَّر الإيرادات بـ3.96 تريليون ريال — نحو ضعف ما جُمع فعليًا عام 2024 البالغ 2.066 تريليون ريال — تُقدَّر النفقات بـ4.8 تريليون ريال، أي ما يقارب 180% من مستوى إنفاق 2024 البالغ 2.7 تريليون ريال، مع رفع بند السلع والخدمات وحده بنسبة تناهز 355%. وبالتوازي، بدأت الحكومة صرف زيادة في الرواتب بنسبة 20% وعلاوات سنوية متراكمة عن الأعوام 2021–2025 اعتبارًا من يناير 2026.
السؤال الحاكم
هل تمثل أجندة الإصلاح المالي الراهنة قطيعة فعلية مع إخفاقات العقد الماضي، أم إعادة إنتاج لها بأدوات أحدث ومرساة خارجية أقوى، وما هي فرص تحقق أهدافها حتى نهاية المرحلة الأولى من برنامج صندوق النقد؟
أولًا: تشريح الأجندة ومنطقها الداخلي
يمكن القول إن الأجندة تقوم على أربع ركائز متمايزة في درجة صعوبتها السياسية، وهو تمايز يفسّر لاحقًا تفاوت احتمالات التنفيذ:
ركيزة تعبئة الإيرادات
تمثل الحلقة الأكثر تقدمًا. فبعدما خُفض الإنفاق الحكومي بدرجة كبيرة منذ توقف صادرات النفط في 2022، ينصبّ تركيز البرنامج على زيادة التحصيل المحلي: تحرير سعر التقييم الجمركي لمواءمة الرسوم مع القيمة الفعلية للواردات، وتعزيز الامتثال الضريبي لدى كبار المكلفين والمؤسسات المملوكة للدولة، وإلغاء الرسوم غير القانونية، وإغلاق المنافذ غير المرخصة. وقد أعلن رئيسا مصلحتي الجمارك والضرائب تحسنًا في مستوى الإيرادات، وإن ظلت هذه إعلانات غير مسنودة ببيانات تنفيذ منشورة.
ركيزة الشفافية وتوحيد الحسابات
تتضمن إدراج إيرادات ونفقات كانت خارج الموازنة ضمن موازنة الحكومة المركزية ابتداءً من 2026، وتشديد ضوابط الإنفاق في الجهات المركزية والمحلية، والعمل على تكوين حساب موحد للخزينة عبر تجميع أرصدة الجهات الحكومية المتناثرة. وقد شدّد اجتماع مصغّر لمجلس القيادة الرئاسي في أبريل 2026 على توريد كافة الموارد إلى الحساب العام وإغلاق أي حسابات خارج البنك المركزي — وهو تكرار يكشف، بحد ذاته، أن التوجيه السابق لم يُنفَّذ.
ركيزة القطاع المالي
تشمل اعتماد لوائح شاملة لإدارة المخاطر المصرفية، وتوسيع الرقابة لتشمل جميع المؤسسات التي تتلقى ودائع، ونشر القوائم المالية المدققة للبنوك، واعتماد رقابة قائمة على المخاطر لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وهي الركيزة الأقل كلفة سياسية والأعلى أثرًا على الثقة الخارجية.
ركيزة الكهرباء والدعم
الأصعب سياسيًا. إذ يتضمن البرنامج خطة تدريجية لرفع مستوى استرداد الكلفة في قطاع الكهرباء لتقليل اعتماده على دعم الموازنة. وتكفي الإشارة إلى أن الحكومة تُنفق نحو 100 مليون دولار شهريًا على الوقود وإيجار محطات التوليد، دون أن تتمكن من توفير كهرباء موثوقة، وأن عجز التوليد في عدن بلغ نحو 400 ميغاواط في ساعات الذروة.
ويبرز من هذا التشريح ما يمكن تسميته «الإصلاح غير المتماثل»: انضباط متصاعد على جانب الإيرادات، يقابله توسّع متزامن على جانب الإنفاق عبر زيادة الأجور والعلاوات وإدماج وحدات عسكرية وأمنية متعددة في فاتورة الرواتب. وهو توتر لا يُحلّ بالإدارة الفنية وحدها، لأن شقّه الإنفاقي يؤدي وظيفة سياسية وأمنية مباشرة.
ثانيًا: حسابات الفاعلين
الحكومة ووزارة المالية. مصلحتها في تحويل الإصلاح إلى مصدر شرعية أداء يعوّض غياب الشرعية الانتخابية، وفي تحويل توافق الصندوق إلى بوابة لتمويل المانحين وإلى نقطة انطلاق لمناقشات إعادة هيكلة الدين. وقيودها في أن قاعدتها الإيرادية شديدة الانخفاض أصلًا، وأن نحو 22% من إيرادات الموازنة المقدَّرة، أي 858.7 مليار ريال، منح تعتمد اعتمادًا كبيرًا على الدعم السعودي. وحدود مناورتها عند النقطة التي يتحول فيها ترشيد الإنفاق إلى مسّ برواتب أو امتيازات تشكيلات مسلحة، والسيناريو الذي تريد تجنّبه هو اضطرابات معيشية كتلك التي شهدتها عدن بسبب انقطاع الكهرباء وأزمة الغاز.
الأجهزة الإيرادية وشبكات الاقتصاد الموازي. مصلحة معلنة في رفع الكفاءة، ومصلحة ضمنية معاكسة لدى شبكات تستفيد من المنافذ غير المرخصة والجبايات غير القانونية والتهريب. وهي المقاومة الأخطر لأنها غير معلنة وموزّعة، لا تُواجَه بقرار مركزي بل بقدرة إنفاذ ميدانية ما تزال محدودة، في بيئة أمنية تدهورت إلى حد اغتيال المدير التنفيذي المكلف للصندوق الاجتماعي للتنمية في مايو 2026.
الشريك السعودي وصندوق النقد. مصلحة الرياض في تحويل الدعم من إنفاق تشغيلي متكرر إلى استقرار مالي مستدام، ومصلحة الصندوق في بناء سجل تنفيذي قابل للقياس. وقيدهما أن برنامج المراقبة لا يتضمن تمويلًا مباشرًا، وأنه اتفاق غير رسمي خاضع لموافقة إدارة الصندوق لا مجلسه التنفيذي، ما يجعل أدوات الإلزام محدودة ومرتبطة بالسمعة أكثر من ارتباطها بالعقوبة. ويضاف قيد إنساني ضاغط: لم يُموَّل من خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026 البالغة 2.16 مليار دولار سوى أقل من 20% حتى أواخر يونيو.
ثالثًا: المتغيرات الحاسمة
واقعية الافتراض الإيرادي. يقوم البناء المالي كله على افتراض مضاعفة التحصيل خلال عام واحد. وأي انحراف كبير عن هذا الافتراض يحوّل عجز الموازنة من رقم مخطط إلى فجوة تمويل فعلية، ويعيد إلى الطاولة خيار التمويل النقدي الذي يقيّده البرنامج صراحة.
تحوّل الإعلان النفطي إلى تدفق فعلي. أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي في 20 يوليو 2026 استئناف تصدير النفط «بكل الوسائل» وتخصيص عائداته للرواتب والخدمات. وعودة الصادرات هي المتغير الوحيد القادر على تغيير بنية الإيرادات لا مستواها فحسب، لكنها الأكثر انكشافًا أمام الاستهداف، بحكم سابقة استهداف ميناءي الضبة والنشيمة في 2022.
كلفة الإنفاق الأمني والاجتماعي. يمثل إدماج التشكيلات العسكرية والأمنية في الموازنة إنجازًا حوكميًا وعبئًا ماليًا في آن. فهو يُخضع إنفاقًا كان خارج الرقابة لإطار رسمي، لكنه يضخّم فاتورة الأجور في توقيت لا تحتمل فيه الإيرادات ذلك.
استمرار انتظام الدعم الخارجي. شهد 2026 خمس دفعات سعودية موثّقة على الأقل بين دعم رواتب ومنح وقود ودعم موازنة. وأي تباطؤ في هذه الوتيرة ينتقل أثره إلى الرواتب أولًا، وإلى مصداقية البرنامج ثانيًا.
الصدمة الخارجية. يفرض تعطّل الإمداد عبر مضيق هرمز ورسوم المخاطر البحرية — نحو 3000 دولار للحاوية سعة 40 قدمًا، بما يرفع كلفة الاستيراد إلى 15% — ضغطًا تضخميًا يقلّص القيمة الحقيقية لأي زيادة في الأجور، ويرفع كلفة الوقود المستورد للكهرباء، أي أنه يضرب الإيراد والإنفاق معًا.
رابعًا: السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول — الأرجح
تنفيذ جزئي انتقائي
تُنفَّذ الإجراءات منخفضة الكلفة السياسية وعالية المردود الرمزي — تحرير السعر الجمركي، والتغييرات القيادية، ولوائح القطاع المصرفي، وإغلاق منافذ، وإلغاء رسوم — بينما تتعثر أو تتأخر الإجراءات البنيوية: الحساب الموحد للخزينة، وتوريد كامل الإيرادات، وامتثال كبار المكلفين والمؤسسات العامة، وخطة استرداد كلفة الكهرباء. وتُنفَّذ الرواتب بانتظام نسبي مسنود بالدعم الخارجي لا بالإيراد الذاتي، ويجتاز البرنامج مراجعته الأولى بملاحظات لا بإخفاق. المحصلة: تحسّن إداري حقيقي دون تحوّل هيكلي، وبقاء الاعتماد على الدعم الخارجي بلا تغيير جوهري.
السيناريو الثاني — ترجيح متوسط
تعثّر وانتكاس جزئي
يتحقق عند اجتماع اثنين على الأقل من: قصور الإيرادات عن الافتراض بفارق كبير، وتباطؤ الدعم السعودي، واستهداف يجهض التصدير النفطي، واحتجاجات معيشية تدفع إلى إنفاق تهدئة غير مخطط. وعندها يعود التمويل النقدي للعجز خيارًا واقعيًا رغم القيود البرنامجية، بما يعيد الضغط على سعر الصرف ويقوّض المكسب النقدي المتحقق منذ أغسطس 2025. والأخطر أن الفشل هنا سيقع بعد تسويق واسع لخطاب الإصلاح، فيكون أثره على الثقة أشد من أثر الجمود السابق عليه.
السيناريو الثالث — الأقل ترجيحًا
اختراق إصلاحي
يتطلب تزامن تحميل شحنات نفط فعلية ومنتظمة، وموافقة إدارة الصندوق على البرنامج واجتياز مراجعته الأولى بنجاح، وانفراج في مسار هرمز، وتحويل ذلك إلى تمويل مانحين إضافي. وعندها يتحول البرنامج من أداة انضباط إلى منصة لمناقشات جادة حول إعادة هيكلة الدين. غير أن ثلاثة من شروطه الأربعة أمنية أو خارجية بالكامل، ما يجعله ممكنًا لا مرجّحًا في المدى المنظور.
الخلاصة
تمتلك أجندة الإصلاح المالي الراهنة ما لم تمتلكه سابقاتها: مرساة مؤسسية خارجية، وموازنة رسمية، ومركز قرار أقل تشظيًا. لكنها تحمل في بنيتها تناقضًا لم يُحسم بعد — انضباط على الإيرادات وتوسّع على الإنفاق — وتقوم على افتراض مضاعفة التحصيل خلال عام واحد في اقتصاد يتوقع صندوق النقد انكماشه بنسبة 1.5% في 2026 للسنة الخامسة على التوالي. ولذلك يبقى السيناريو الأول هو الأرجح: تحسّن إداري ملموس دون تحوّل هيكلي، وبقاء الاستقرار المالي مموّلًا خارجيًا لا مكتسبًا ذاتيًا.
وتقتضي الواقعية التمييز بين ثلاثة مستويات في تقييم الأجندة، لأن الخلط بينها هو ما أنتج التقييمات المتعارضة: مستوى الإقرار وقد اكتمل تقريبًا، ومستوى الإنفاذ الإداري وهو جارٍ بتفاوت، ومستوى التحوّل الهيكلي ولم يبدأ فعليًا. والمعيار الحاسم ليس عدد القرارات الصادرة بل نسبة الإيراد المحلي إلى إجمالي الإيراد الفعلي — وهي النسبة التي كانت المنح الخارجية تشكّل 61% من مقابلها عام 2024.
ما نراقبه
- نشر تقارير تنفيذ الموازنة الدورية — غيابها بحد ذاته مؤشر على أن الشفافية لم تتجاوز مستوى النص.
- الحصيلة الجمركية الفعلية بعد رفع سعر التقييم إلى 1550 — اختبار قدرة التحصيل لا صحة القرار.
- عدد الجهات التي أغلقت حساباتها خارج البنك المركزي وورّدت مواردها للحساب العام — المؤشر الأدق على اختراق المقاومة غير المعلنة.
- واتسابتيليجرامإكسفيسبوكلينكدإن
