بقلم: هشام عادل
في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة والتشظي المؤسسي المتراكم الذي يشهده الاقتصاد اليمني، تواجه السلطات الاقتصادية تحدياً يتعلق باستعادة السيطرة على أدوات السياسة الاقتصادية. ومع إعلان البنك المركزي في عدن استعداده لإطلاق منصة بلومبرج الدولية، وهي نظام إلكتروني يهدف إلى توحيد تداولات النقد الأجنبي وتأطيرها وإخضاعها للرقابة الرسمية، يتجه الاهتمام إلى طبيعة الإجراءات الأخيرة للحكومة.
وقد سعت السلطات لفترات طويلة إلى ضبط تراجع قيمة العملة عبر حزمة من الإجراءات الإدارية والرقابية، أبرزها سحب تراخيص شركات الصرافة المخالفة، وتقييد التحويلات، وإطلاق «الشبكة الموحدة للتحويلات» أواخر عام 2025. وأسهمت هذه الإجراءات في استعادة جزء من قيمة الريال أمام العملات الأجنبية، حيث استقر سعر الصرف عند حدود 1500 ريال للدولار، بعد أن كان قد تجاوز 2500 ريال.
ورغم أن هذه الإجراءات أحدثت أثراً إيجابياً على مستوى الثقة، فإنها لم تكن كافية لمعالجة عوامل الاختلال الهيكلية. فقد كشفت فترات الذروة الاستهلاكية، مثل مواسم الأعياد ورمضان التي ترتفع فيها حوالات المغتربين، عن أزمة سيولة في العملة المحلية. ويرى مراقبون أن شبكات الصرافة وبعض المتنفذين تعمدوا افتعال هذه الندرة لتحقيق أرباح إضافية، لا سيما في ظل السياسة الانكماشية التي ينتهجها البنك المركزي في عدن، وهو ما دفع المستفيدين من الحوالات الخارجية إلى تسييل عملاتهم الأجنبية بأسعار أقل من قيمتها. وتشير هذه الأزمات إلى أن الإجراءات الإدارية وحدها غير كافية، وأن السوق بحاجة إلى أدوات اقتصادية تحد من نشاط اقتصاد الظل.
وقد اتجهت السلطات إلى مقاربة أكثر تقدماً للخروج من هذا الوضع عبر خطوتين متتاليتين:
أولاً: رفع سعر الدولار الجمركي
أصبح السعر السابق للدولار الجمركي بعيداً عن قيمته الفعلية نتيجة التضخم خلال سنوات الحرب. وتعديل هذا السعر ليقارب سعر السوق الموازي (نحو 1500 ريال للدولار) يمثل خطوة استباقية للحد من أرباح المراجحة، ويمهد للانتقال إلى سوق أكثر شفافية لتداول العملات. كما تسهم هذه الخطوة في زيادة إيرادات الدولة، خاصة في ظل توقف صادرات النفط، بما يمكّنها من تغطية التزاماتها الأساسية مثل دفع الرواتب.
ويمنح هذا التعديل السلطات المالية هامشاً للمناورة خلال فترات الذروة الاستهلاكية، ويوفر للبنك المركزي السيولة النقدية المحلية اللازمة لامتصاص تقلبات السوق دون اللجوء إلى الإصدار النقدي غير المغطى. ويمكن أن يشكل هذا الاستقرار المالي أرضية لنجاح الخطوة الثانية المتمثلة في إطلاق منصة شفافة لتداول العملات. غير أن هذه النظرة الإيجابية تظل مرتبطة بقدرة الحكومة على توجيه هذه الإيرادات في مسارها الصحيح.
ورغم أن القرار لا يستهدف السلع الأساسية بصورة مباشرة، فإن ارتباطه بتكاليف النقل والتشغيل يُرجَّح أن يولّد ضغوطاً تضخمية تنعكس على المستهلك، وهي كلفة مرتبطة بمحاولة معالجة اختلالات اقتصادية متراكمة، ما يستدعي من الحكومة العمل بالتوازي على توفير شبكات حماية اجتماعية في حدها الأدنى.
ثانياً: منصة بلومبرج ودفتر الأوامر المركزي
بهدف الحد من نشاط أسواق الظل، وتنظيم سوق الصرف، وتقليص المضاربة بالعملة المحلية، يستعد البنك المركزي لإطلاق منصة «بلومبرج» الدولية في أكتوبر من العام الجاري 2026. وتنقل المنصة عمليات تداول العملات من آلية «التفاوض الثنائي»، وهي الآلية التقليدية التي تجري عبر قنوات مغلقة ومجموعات المراسلة ولا تعكس بالضرورة واقع السوق، إلى آلية «دفتر الأوامر المركزي» (CLOB).
وبموجب هذه الآلية، تُعرض أوامر البيع والشراء أمام جميع البنوك والبنك المركزي على شاشة واحدة، بما يقلّص تفاوت الأسعار ويحقق ما يعرف بـ«اكتشاف السعر» استناداً إلى قوى العرض والطلب الفعلية.
وتكمن أهمية المنصة في تضييق هوامش الربح التي تفرضها محلات الصرافة. ففي فترات الصدمات الإيجابية، وكما وثّق مركز صنعاء في أبريل 2022 عقب إعلان الوديعة الخليجية، اتسعت الفجوة بين سعري البيع والشراء في عدن بصورة كبيرة (شراء بـ870 وبيع بـ1120). ومن شأن آلية دفتر الأوامر المركزي أن تكشف هذه الممارسات وتدفع المتعاملين إلى التداول ضمن هوامش سعرية معقولة ومعلنة. ومع ذلك، يظل نجاح هذه الخطوة مرهوناً بقدرة الحكومة على توجيه الكتلة النقدية نحو القطاع المصرفي الرسمي.
أبرز التحديات
- مدى قدرة الحكومة والبنك المركزي على فرض إلزامية التعامل عبر منصة بلومبرج على شركات الصرافة التي تعمل كبنوك ظل وتستحوذ على الجزء الأكبر من الكتلة النقدية خارج القطاع المصرفي.
- تعارض هذه الخطوات مع مصالح متنفذين وشبكات تجارية، وهو ما يشكل اختباراً لقدرة الحكومة على المضي في إصلاحات اقتصادية هيكلية.
- حالة الارتباك في السوق نتيجة تسارع هذه المتغيرات، وهو ما يتطلب من السلطات المالية التعامل بحذر لضمان عدم انفلات الأسعار.
- احتمال أن توسّع هذه الخطوات الفجوة بين الاقتصادين المنقسمين في البلاد، بما قد يقلل فرص توحيد المؤسسات الاقتصادية مستقبلاً.
خلاصة
يمثل إقرار هذه الخطوات والتوجه نحو منصة دولية لتداول العملات محاولة مؤسسية للانتقال بالسياسة النقدية من إدارة ردود الأفعال إلى التخطيط المسبق والتحكم المنهجي. غير أن ذلك يظل مرتبطاً بقدرة الحكومة على ضبط السوق على أرض الواقع، وإخضاع مراكز النفوذ المالي (شركات الصرافة) للقواعد الرسمية وللتداول عبر المنصة، إضافة إلى توفير غطاء من العملات الأجنبية يدعم عمل هذه المنصة، وإلا اقتصر دورها على إظهار تراجع الريال بصورة أكثر شفافية. كما يبقى السؤال قائماً حول قدرة الحكومة على معالجة تحديات كفاءة الإنفاق (الفساد) وتوجيه إيراداتها نحو أولوياتها. وستكشف الفترة المقبلة ما إذا كانت هذه الإجراءات ستحد فعلياً من اقتصاد المضاربة، أم أنها ستعيد ترتيب عناصر الأزمة في بيئة أكثر تعقيداً.
