في كل مرة يشهد فيها الاقتصاد اليمني تطورًا أو أزمة جديدة، تزدحم المنصات الإعلامية بالتحليلات والتعليقات حول أسعار الصرف، والتضخم، والسياسات النقدية والمالية، والظروف المعيشية. ويؤدي الإعلاميون والسياسيون دورًا مهمًا في تناول هذه القضايا وإيصالها إلى الجمهور، وهو جهد يستحق التقدير. لكن وسط هذا المشهد يبرز سؤال مهم: أين الاقتصاديون اليمنيون المتخصصون؟ ولماذا لا يحضرون بالقدر الكافي في النقاشات المتعلقة بالقضايا الاقتصادية وصناعة القرار؟ هل يعود ذلك إلى تهميش المتخصصين من قبل صناع القرار؟ أم أن جزءًا من المشكلة يرتبط بالاقتصاديين أنفسهم وطبيعة حضورهم في المجال العام؟ الاقتصاد ليس مجرد آراء أو انطباعات حول ارتفاع الأسعار أو انخفاض سعر الصرف، بل هو علم يعتمد على أدوات تحليلية وكمية، وقراءة للبيانات، ودراسة للعلاقات بين المتغيرات الاقتصادية، وتقييم للسياسات والبدائل المتاحة. ويحتاج التعامل مع الأزمات الاقتصادية إلى خبرات قادرة على تحليل المخاطر، وقياس آثار القرارات، وتقييم السياسات النقدية والمالية، والمساهمة في بناء الخطط والاستراتيجيات التنموية على أساس علمي. ومع ذلك، يبدو أن حضور المتخصصين في الاقتصاد في إدارة الملف الاقتصادي وفي النقاش العام لا يزال أقل من المستوى الذي تفرضه طبيعة التحديات التي تواجه الاقتصاد اليمني. وقد تكون أسباب ذلك متعددة، إلا أن جانبًا منها يرتبط بطريقة إدارة القرار الاقتصادي، بينما يرتبط جانب آخر بالاقتصاديين أنفسهم. أولًا: أسباب مرتبطة بالسياسة وصناعة القرار تداخل القرار الاقتصادي مع القرار السياسي: من أبرز الإشكالات أن القرارات الاقتصادية الكبرى في اليمن لا تُتخذ دائمًا من منظور اقتصادي بحت، بل تتداخل فيها اعتبارات سياسية ومؤسسية ومناطقية وغيرها. وعلى مدى عقود، ظل القرار الاقتصادي مرتبطًا بدرجة كبيرة بمراكز القرار السياسي، بدل أن يستند بصورة أكبر إلى مؤسسات اقتصادية وفنية مستقلة قادرة على تقديم الرأي المهني المبني على البيانات والتحليل. وقد يؤدي هذا التداخل إلى اتخاذ بعض القرارات الاقتصادية وفق اعتبارات تتجاوز الحسابات الاقتصادية البحتة، في حين تتراجع أحيانًا أهمية الرؤية الفنية والتخصصية في عملية صناعة القرار. التعيينات على أساس غير مهني: من القضايا التي تستحق النقاش أيضًا طبيعة المعايير المستخدمة في اختيار بعض شاغلي المناصب المرتبطة بالاقتصاد والمالية. فعندما تصبح الاعتبارات السياسية أو الحزبية أو الشخصية أو المناطقية أكثر تأثيرًا من الكفاءة والتخصص، تضعف قدرة المؤسسات على الاستفادة من الخبرات الاقتصادية المتاحة. ونجد في بعض المواقع ذات الصلة بالاقتصاد والمالية أشخاصًا ينتمون إلى تخصصات أخرى. وهذا لا يعني بالضرورة عدم كفاءتهم، لكنه يثير التساؤل عن سبب تجاوز المتخصصين عند شغل مواقع تحتاج بطبيعتها إلى معرفة اقتصادية دقيقة. إن تغييب التخصص وعدم الاستفادة من الكفاءات المؤهلة يُعد إهدارًا للموارد البشرية والمادية في الوقت نفسه. والأكثر إيلامًا أن بعض الاقتصاديين الموجودين داخل المؤسسات لا يمتلكون صوتًا مؤثرًا في صناعة القرار. فقد يكون الخبير حاضرًا من الناحية الوظيفية، لكن رأيه لا يحظى بالاهتمام الكافي، أو يُطلب منه تبرير قرارات اتُّخذت مسبقًا، بدلًا من إشراكه في دراستها وصياغتها قبل اعتمادها. الرأي الاقتصادي المستقل: الاقتصادي المتخصص قد لا يقدم دائمًا الرأي الذي يرغب صانع القرار في سماعه. فخلفيته العلمية والمهنية تفرض عليه الإشارة إلى المخاطر والآثار غير المقصودة للسياسات، وبيان نقاط الضعف في القرارات المقترحة، واقتراح بدائل قد تكون أقل شعبية لكنها أكثر اتساقًا مع المعطيات الاقتصادية. ومن هنا، قد لا تتقبل بعض المؤسسات الرأي المهني المستقل، خاصة عندما تكون لها أجندات أو مصالح خاصة. وفي مثل هذه البيئة، يجري الاعتماد على الأصوات الأكثر توافقًا مع التوجهات القائمة، بدلًا من الاستماع إلى الأصوات الأكثر قدرة على تقديم تقييم موضوعي للسياسات ونتائجها المحتملة. ضعف المساءلة عن النتائج الاقتصادية: لا يمكن تطوير الإدارة الاقتصادية دون وجود آليات واضحة لتقييم السياسات والقرارات ومساءلة المسؤولين عن نتائجها. فعندما لا تخضع السياسات الاقتصادية لتقييم دوري يستند إلى مؤشرات محددة، ويغيب الربط بين القرار ونتيجته، تتراجع الحاجة المؤسسية إلى الاقتصاديين المتخصصين. وفي غياب التقييم يصبح من الصعب معرفة أسباب النجاح أو الفشل وتصحيح المسار. كما أن استمرار المسؤول في موقعه رغم تكرار الأخطاء، من دون تقييم موضوعي لأدائه، يضعف الحافز المؤسسي لتحسين جودة القرار الاقتصادي والاستعانة بالخبرات القادرة على قياس نتائجه. ثانيًا: أسباب مرتبطة بالاقتصاديين أنفسهم لا يمكن تحميل صناع القرار وحدهم مسؤولية ضعف حضور الاقتصاديين. فهناك أيضًا مجموعة من العوامل التي تتعلق بالاقتصاديين أنفسهم وبالبيئة التي يعملون فيها. الانشغال بالتدريس وتأمين الدخل: يعتمد عدد كبير من الأكاديميين والاقتصاديين اليمنيين على التدريس في أكثر من مؤسسة تعليمية لتأمين دخل مناسب، خصوصًا في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة. وقد يؤدي هذا الانشغال إلى تقليص الوقت المتاح للبحث والتحليل والمشاركة في النقاشات العامة، فضلًا عن محدودية القدرة على متابعة التطورات الاقتصادية اليومية وتحويلها إلى دراسات يمكن أن يستفيد منها المجتمع وصناع القرار. ضعف التواصل مع المجتمع والإعلام: يمتلك بعض الاقتصاديين معرفة أكاديمية واسعة، لكنهم لا يقدمونها بلغة يمكن أن يفهمها الجمهور أو يستفيد منها صانع القرار. وقد يظل إنتاجهم محصورًا في رسائل جامعية أو أبحاث أكاديمية لا تصل إلى المجال العام ولا تتحول إلى أوراق سياسات أو مقترحات قابلة للتطبيق. ولا يكفي أن يمتلك الاقتصادي المعرفة؛ بل ينبغي أن يكون قادرًا على تبسيطها من دون الإخلال بمضمونها، والتفاعل مع وسائل الإعلام، واستخدام المنصات الرقمية، وتقديم تحليلات منتظمة حول القضايا التي تمس حياة الناس. فترك المجال العام خاليًا من الصوت المتخصص يسمح بانتشار التحليلات الانطباعية والمعلومات غير الدقيقة. الهجرة والابتعاد عن الشأن الاقتصادي اليمني: غادر عدد من الكفاءات الاقتصادية اليمنية إلى الخارج خلال السنوات الماضية، والتحق بعضهم بالجامعات ومراكز الأبحاث والمؤسسات الدولية. وقد شكل ذلك فرصة مهمة للكثير منهم لتطوير خبراتهم الأكاديمية والمهنية، لكنه في المقابل أدى إلى ابتعاد جزء من هذه الكفاءات عن الحياة الاقتصادية اليومية في اليمن. كما أن بعض الأبحاث التي يعمل عليها الباحثون في الخارج قد ترتبط بأولويات المؤسسات أو الجهات الممولة للبحث، وهو ما قد يجعل جزءًا منها بعيدًا عن القضايا الاقتصادية اليمنية المباشرة. ومع ذلك، لا ينبغي النظر إلى وجود الاقتصاديين اليمنيين في الخارج باعتباره خسارة فقط؛ فهذه الكفاءات يمكن أن تمثل موردًا مهمًا إذا جرى بناء قنوات فعالة لربطها بالمؤسسات والباحثين وصناع القرار داخل اليمن. كيف يمكن استعادة حضور الاقتصاديين؟ السؤال الأهم ليس فقط لماذا يغيب الاقتصاديون؟ وإنما: كيف يمكن تعزيز حضورهم، والاستفادة من خبراتهم؟ يحتاج اليمن أولًا إلى بيئة مؤسسية تجعل التخصص والكفاءة عنصرين أساسيين في اختيار القيادات الاقتصادية والمالية، وتمنح الاقتصاديين مساحة حقيقية لتقديم الرأي والتحليل المستقل. كما يحتاج إلى وحدات فنية وبحثية داخل المؤسسات الاقتصادية، تكون مهمتها تقييم السياسات وقياس آثارها قبل التنفيذ وبعده. ومن الضروري أيضًا تحسين مستوى جمع البيانات الاقتصادية ونشرها، وإتاحتها للباحثين بصورة منتظمة، لأن غياب البيانات يحول دون تقديم تحليلات موثوقة. ويجب أن تقترن عملية صناعة القرار بآليات واضحة للتقييم والمساءلة، بحيث تُقاس النتائج الفعلية للسياسات ويجري تصحيحها عند الحاجة. ويحتاج اليمن كذلك إلى بناء جسور مؤسسية بين الجامعات ومراكز الدراسات والمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والمنظمات الدولية، بحيث تتحول المعرفة الاقتصادية من أبحاث ودراسات متفرقة إلى أدوات عملية تساعد في صناعة القرار. كما يمكن إنشاء شبكات تضم الاقتصاديين اليمنيين في الداخل والخارج للاستفادة من خبراتهم في تحليل السياسات وإعداد الخطط وتدريب الكفاءات الشابة. وفي المقابل، يتحمل الاقتصاديون أنفسهم مسؤولية تطوير أدوات حضورهم في المجال العام. فلا ينبغي أن يقتصر دورهم على التدريس أو النشر الأكاديمي، بل يجب أن يمتد إلى إعداد أوراق السياسات، والمشاركة في الحوارات الاقتصادية، والتفاعل مع وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، وتقديم المعرفة الاقتصادية بلغة واضحة وقريبة من المجتمع. الخلاصة: الاقتصاد اليمني بحاجة إلى صوت اقتصادي مهني لا يمكن مواجهة التحديات الاقتصادية المعقدة التي يمر بها اليمن بالسياسة أو الإعلام أو القرارات الإدارية وحدها؛ فإدارة الاقتصاد تحتاج إلى بيانات موثوقة، وتحليل علمي، ومؤسسات فاعلة، وآليات واضحة للتقييم والمساءلة. ومن دون ذلك، ستظل القرارات الاقتصادية خاضعة للمعالجات المؤقتة، بدلًا من أن تستند إلى رؤية قادرة على معالجة جذور الأزمة والحد من آثارها. ويمثل الاقتصاديون اليمنيون، داخل البلاد وخارجها، موردًا مهمًا لم يُستفد منه بالقدر الكافي. غير أن تفعيل دورهم يتطلب مسؤولية مشتركة: مسؤولية صناع القرار في إتاحة المجال للكفاءة والرأي الاقتصادي المستقل، ومسؤولية الاقتصاديين في تطوير أدوات حضورهم، وتبسيط المعرفة الاقتصادية، والمشاركة بفاعلية في القضايا التي تمس حياة الناس ومستقبل البلاد. وعليه، لا تكمن المشكلة في افتقار اليمن إلى الاقتصاديين، بقدر ما تكمن في عدم توافر البيئة التي تمكّنهم من تحويل معرفتهم إلى تأثير حقيقي. ولن يستعيد الاقتصادي اليمني دوره إلا حين يصبح التخصص والرأي المهني جزءًا أصيلًا من صناعة القرار.

إصداراتنامقالات
د.صادق السبئي10 أغسطس، 2026التعليقات على لماذا يغيب الاقتصاديون اليمنيون عن المشهد الاقتصادي؟ مغلقة9
لماذا يغيب الاقتصاديون اليمنيون عن المشهد الاقتصادي؟
مشاركة