تُقرأ ثورة 26 سبتمبر 1962 عادةً بوصفها حدثاً سياسياً: إسقاط نظام حكم وإعلان جمهورية. لكن لها وجهاً اقتصادياً أقل تداولاً، وهو أنها كانت في جوهرها محاولة لبناء اقتصاد دولة في بلد لم يعرف مؤسسات اقتصادية حديثة.
فما قبل 1962 لم يكن هناك بنك مركزي، ولا عملة وطنية موحدة بالمعنى الحديث، ولا موازنة عامة منشورة، ولا نظام ضريبي مؤسسي، ولا جهاز إحصاء. وكانت الدولة تُدار بمنطق الجباية لا بمنطق الإيراد العام
وبعد أربعة وستين عاماً، يستحق السؤال أن يُطرح بلغة الأرقام لا بلغة الشعارات: ما الذي بُني، وما الذي تآكل؟
أولاً: ما بُني فعلاً
أنتجت العقود التالية للثورة مؤسسات لم تكن موجودة: بنك مركزي تأسس عام 1971، وجهاز مركزي للإحصاء، ووزارة مالية بموازنة معلنة، ونظام مصرفي تجاري، وشبكة تعليم وصحة عامة، وبنية تحتية للطرق والموانئ والكهرباء.
وهذه ليست إنجازات رمزية. فوجود بنك مركزي يعني وجود سياسة نقدية، ووجود موازنة معلنة يعني إمكان المساءلة، ووجود جهاز إحصاء يعني أن القرار الاقتصادي يمكن أن يُبنى على بيانات لا على تقدير.
ثانياً: ما تآكل
المفارقة أن أبرز ما تآكل هو ذاته أبرز ما بُني.
البنك المركزي الواحد صار اثنين. فالانقسام النقدي بين عدن وصنعاء أنتج سعري صرف وطبعتين من العملة الوطنية ونظامين ماليين متوازيين. والعملة الموحدة — وهي من أوائل مكتسبات الدولة الحديثة — لم تعد موحدة.
الإيراد العام عاد إلى منطق ما قبل الدولة. فبحسب تصريحات محافظ البنك المركزي، يبقى نحو 75% من إيرادات الدولة خارج سيطرة البنك المركزي في عدن. أي أن التحصيل قائم لكن التوريد متعثر، وهو بالضبط الفارق بين الجباية والإيراد العام الذي قامت الدولة الحديثة لتجاوزه.
النقد خرج من الجهاز المصرفي. فكتل نقدية كبيرة انتقلت إلى خارج البنوك، وأكثر من 70% من الأوراق النقدية المتداولة تالفة أو ممزقة، وجانب من الإيرادات يُودع لدى شركات الصرافة بدل البنك المركزي — ما خلق قنوات مالية موازية للقناة الرسمية.
الإحصاء توقف فلم تعد البيانات الاقتصادية الوطنية تصدر بانتظام، وصار الباحث والصحفي يعتمدان على تقديرات المنظمات الدولية بدل الأرقام الرسمية. وغياب الرقم لا يعني غياب المشكلة، بل غياب القدرة على قياسها.
ثالثاً: السؤال الذي يجمعها
يجمع هذه الاختلالات خيط واحد: كلها مؤسسية لا موارديّة.
فاليمن لم يفقد موارده، بل فقد المؤسسات التي تديرها. والفارق جوهري، لأن الأول يُعالَج باكتشاف ثروة، والثاني لا يُعالَج إلا بإعادة بناء القواعد.
وهذا يعيدنا إلى ما يطرحه الاقتصادي جيمس روبنسون من أن ازدهار الأمم لا يُقاس بما تملكه من موارد بل بجودة مؤسساتها والقواعد التي تنظم الفرص وتوزع الحوافز. وهي الفكرة نفسها التي كانت في صميم مشروع 1962، حين لم يكن الهدف إيجاد ثروة جديدة بل إيجاد دولة تدير الموجود.
رابعاً: ثلاثة مؤشرات لقياس أي تعافٍ قادم
بعيداً عن الخطاب، يمكن قياس أي تقدم فعلي بثلاثة أرقام لا أكثر:
الأول: نسبة الإيرادات العامة الموردة فعلياً إلى البنك المركزي. فارتفاعها هو المؤشر الوحيد على استعادة وحدة الدورة المالية.
الثاني: الفجوة بين سعري الصرف في عدن وصنعاء. فتضييقها هو المؤشر العملي على تراجع الانقسام النقدي، بصرف النظر عن أي تسوية سياسية.
الثالث: انتظام صدور البيانات الإحصائية الرسمية. فعودتها تعني أن الدولة استعادت قدرتها على رؤية اقتصادها، وهي شرط سابق على إدارته.
خلاصة
كانت ثورة سبتمبر في بعدها الاقتصادي انتقالاً من إدارة شخصية للمال العام إلى إدارة مؤسسية له. وما يواجهه اليمن اليوم ليس نكوصاً عن الجمهورية بوصفها شكلاً للحكم، بل تآكلاً في المؤسسات الاقتصادية التي كانت مضمونها الفعلي.
ولذلك فإن استحضار الذكرى اقتصادياً لا يكون باستعراض ما تحقق، بل بسؤال واحد: هل تستعيد الدولة قدرتها على تحصيل مواردها وإدارة عملتها وقياس اقتصادها؟ فهذه الثلاثة هي ما بدأت به الجمهورية، وهي ما ينبغي أن تقاس به اليوم.
