يرى عالم الاقتصاد الحائز على جائزة نوبل جيمس روبنسون أن ازدهار الأمم لا يُقاس بما تملكه من نفط أو موارد طبيعية، بل بجودة “مؤسساتها” والقواعد التي تضعها المجتمعات لتنظيم الفرص وتوزيع الحوافز بين أفرادها.
“المؤسسات هي من يرسم مسار الأمم: إما نحو تنمية مستدامة، وإما نحو انهيار شامل”.
— جيمس روبنسون
هذه الفكرة تفتح سؤالاً أوسع: لماذا تنجح دول في تحقيق التنمية بينما تتعثر أخرى تملك الموارد ذاتها أو أكثر منها؟
الإجابة، بحسب هذا الطرح، لا تكمن في الجغرافيا أو الثروة، بل في طبيعة الحكم نفسه: هل توجد رؤية وطنية جامعة توحّد المجتمع حول هدف تنموي مشترك؟ أم أن غياب مؤسسات فعلية خاضعة للمساءلة هو ما يُبقي التنمية رهينة لإرادة فئة محدودة؟
مفارقة دول المنطقة
تكشف تجارب عدد من دول المنطقة عن مفارقة لافتة في هذا السياق: أنظمة حكم مركزية استأثرت بمقدرات الدولة لصالح فئة ضيقة جداً، فأنتجت تدهوراً اقتصادياً وقمعاً سياسياً وانعدام استقرار، وهو بالضبط ما ثار ضده الشارع العربي في موجات “الربيع العربي”.
حين كانت هناك مشاريع وطنية
ولم تكن أزمة غياب المشروع الوطني الجامع وليدة اليوم. ففي خمسينيات القرن الماضي وستينياته، طرح عدد من القادة مشاريع وطنية كبرى لبناء دولهم حديثاً.
من أمثال أحمد سوكارنو في إندونيسيا، وليوبولد سنغور في السنغال، وكوامي نكروما في غانا، ويوليوس نيريري في تنزانيا، الذين تبنّوا فلسفات مثل “الاشتراكية الإفريقية” أو “بانكاسيلا” الإندونيسية كإطار جامع لمجتمعاتهم.
أما اليوم، وبحسب روبنسون، فقد تراجعت السياسة في كثير من الأحيان إلى مجرد مقايضة مصالح ضيقة، يختصرها سؤال: “ماذا سأستفيد أنا، وماذا ستقدّمون لي؟”
جذور أعمق
وهذا التراجع له جذور تاريخية أعمق. فمنذ حقبة الاستعمار وتجارة الرقيق، مروراً بالتوسع الاقتصادي الذي استنزف مجتمعات بأكملها، لا تزال شعوب كثيرة في الجنوب العالمي تصارع من أجل بناء مؤسسات وطنية مستقلة تخدم الصالح العام وتخضع للمساءلة، وهو التحدي ذاته الذي تواجهه اليمن اليوم.
خلاصة
يخلص هذا الطرح إلى أن الطريق نحو التنمية لا يبدأ من اكتشاف موارد جديدة، بل من إعادة بناء العقد المؤسسي بين الدولة ومجتمعها: عقد يقوم على المساءلة، والرؤية الوطنية الجامعة، وتوزيع عادل للفرص.
