حذف الأصفار في سوريا: ما الذي يمكن أن يتعلمه اليمن من تجربة نقدية عمرها ثمانية أشهر؟
في الأول من يناير 2026، دخلت سوريا مرحلة نقدية جديدة مع بدء العمل بـ”الليرة السورية الجديدة”، بحذف صفرين من القيمة الاسمية للعملة القديمة، بحيث تعادل كل 100 ليرة قديمة ليرة واحدة جديدة.
واليوم، وقد مضت ثمانية أشهر على التنفيذ، صارت التجربة قابلة للقراءة لا للتكهن. وهي تستحق أن يقرأها اليمن تحديداً، لأنها الحالة العربية الأقرب إلى وضعه: بلد خارج من نزاع طويل، بعملة فقدت معظم قيمتها، وباحتياطيات محدودة، وبأوراق نقدية أنهكها التضخم.
كيف نُفّذت العملية؟
| الأساس القانوني | المرسوم الرئاسي رقم (293) لعام 2025 |
| نسبة التحويل | 100 ليرة قديمة = ليرة جديدة واحدة |
| فترة تعايش العملتين | 90 يوماً قابلة للتمديد |
| شبكة الاستبدال | 59 مؤسسة مالية وأكثر من 1500 فرع معتمد |
| كلفة الاستبدال على المواطن | مجاني بالكامل مع حظر أي عمولات أو رسوم |
| الفئات الجديدة | ست فئات من 5 إلى 500 ليرة |
| حجم النقد المصدر قبل الاستبدال | 42 تريليون ليرة، مقابل نحو تريليون في 2011 |
وبدأ الاستبدال بالفئات الكبيرة أولاً (1000 و2000 و5000)، مع تحويل تلقائي لجميع الأرصدة المصرفية والإلكترونية إلى العملة الجديدة اعتباراً من مطلع العام.
ما الذي يفعله حذف الأصفار — وما الذي لا يفعله؟
أكد حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية أن العملية إجراء تقني لا يؤثر في القيمة الحقيقية للعملة ولا في سعر الصرف ولا في الكتلة النقدية المتداولة، وأنها تندرج ضمن إعادة تنظيم شكلية للقيم الاسمية بهدف تسهيل التعاملات النقدية والمحاسبية.
وهذا هو جوهر المسألة. فحذف الأصفار يعالج أعراض التضخم لا أسبابه: يخفف عبء حمل النقد، ويبسّط الدفاتر المحاسبية، ويعيد للعملة حضورها النفسي في التداول اليومي بعدما صارت أعلى فئة قديمة (5000 ليرة) تعادل نحو نصف دولار فقط.
لكنه لا يضيف دولاراً واحداً إلى الاحتياطي، ولا ينتج سلعة، ولا يغلق عجزاً في الموازنة. وكما لخّص أحد الخبراء الاقتصاديين: الورقة التي كانت بـ1000 ليرة تصبح 10 ليرات، لكن قوتها الشرائية تبقى كما هي، لأن قيمة العملة تُحدَّد بحجم الإنتاج والصادرات والواردات.
القيود التي رافقت التجربة
لم تُنفَّذ العملية في بيئة مثالية. فقد فقدت الليرة السورية أكثر من 99% من قيمتها منذ 2011، وبلغ سعر الصرف عند الإطلاق نحو 12,500 ليرة للدولار مقابل نحو 50 ليرة في 2011.
كما ظلت قدرة الدولة على التدخل في سوق الصرف محدودة بفعل استنزاف الاحتياطيات الأجنبية المقدّرة بنحو 200 مليون دولار فقط، تُستخدم عادةً لتمويل واردات السلع الأساسية. يضاف إلى ذلك أن الدمار في قطاعي الصناعة والزراعة قلّص القدرة الإنتاجية وحجم الصادرات.
وحذّر خبراء سوريون منذ ما قبل الإطلاق من أن غياب الإصلاحات الهيكلية قد يؤدي إلى تراجع قيمة الليرة الجديدة نفسها، إذا اقتصر التغيير على إعادة التسمية دون معالجة الأسباب الجذرية للتضخم، وفي مقدمتها العجز المالي وتمويل الحكومة بطباعة النقد وعجز الحساب الجاري.
أربعة دروس تخصّ الحالة اليمنية
الأول: الإصلاح النقدي أداة تنفيذ لا أداة علاج
نجحت سوريا في الجانب اللوجستي — شبكة منافذ واسعة، واستبدال مجاني، وتحويل تلقائي للأرصدة، وفترة تعايش معلنة. لكن النجاح اللوجستي لا يُترجم تلقائياً إلى استقرار في سعر الصرف. والدرس أن الإصلاح النقدي يجب أن يأتي بعد ضبط مصادر الاختلال، لا بديلاً عنها.
الثاني: السلطة النقدية الواحدة شرط مسبق
استندت العملية السورية إلى مرسوم واحد وجهة تنفيذ واحدة وشبكة موحدة. وهذا ما لا يتوفر في اليمن حالياً في ظل ازدواج المرجعية النقدية بين عدن وصنعاء واختلاف الأوراق المتداولة وأسعار الصرف بينهما. فأي حديث عن إصلاح نقدي في اليمن يصطدم أولاً بهذا السؤال: من ينفّذ، وعلى أي رقعة جغرافية؟
الثالث: الاحتياطي هو ما يحمي العملة الجديدة
أُطلقت الليرة الجديدة باحتياطي لا يتجاوز نحو 200 مليون دولار، وهو هامش لا يسمح بتدخل فعّال في سوق الصرف. والدرس المباشر لليمن أن أي إجراء نقدي كبير يحتاج إلى غطاء من النقد الأجنبي يسنده في الأشهر الأولى، وإلا تحوّل إلى اختبار مبكر لثقة السوق.
الرابع: التوقيت والتواصل جزء من الإجراء
أعلنت السلطات السورية التفاصيل التنفيذية قبل التطبيق بأسابيع، وحدّدت المهل والفئات والمنافذ، وألزمت بعرض الأسعار بالعملتين، وأصدرت نشرات رسمية بسعري الصرف لمنع التمييز والمضاربة. وهذه ليست تفاصيل شكلية: الغموض في الإجراءات النقدية يفتح باباً واسعاً للمضاربة، وهو الباب نفسه الذي يعمل من خلاله السوق الموازي في اليمن.
خلاصة
التجربة السورية تقدّم لليمن نموذجاً تنفيذياً جيداً وتحذيراً في آن. جيداً في الترتيب والشفافية وسعة شبكة التنفيذ ومجانية الاستبدال. وتحذيراً في أن الإصلاح النقدي مهما أُحسن تنفيذه لا يعوّض غياب الإنتاج والاحتياطي والانضباط المالي.
وفي الحالة اليمنية، تسبق هذه الشروط كلها شرطٌ أوّلي لم يعد اقتصادياً بحتاً: سلطة نقدية واحدة معترف بها تنفّذ قراراً واحداً على رقعة واحدة.
المصادر: مصرف سوريا المركزي، المرسوم الرئاسي رقم (293) لعام 2025، الجزيرة نت، مجلة المجلة، الشرق بلومبرغ، وكالة سانا.
