الاقتصاد اليمني في 2026: انكماش متواصل ومسار إصلاحي نحو الاستقرار

image_pdf

يدخل الاقتصاد اليمني عام 2026 في ظل استمرار الضغوط التي حدّت من قدرته على استعادة مسار النمو، بعد سنوات متتالية من التراجع الاقتصادي وتآكل مصادر الإيرادات والنقد الأجنبي. وبعد أن انكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 1.5% في عام 2025، تتوقع أحدث تقديرات صندوق النقد الدولي أن يسجل الاقتصاد اليمني انكماشًا إضافيًا بنسبة 1.5% في عام 2026، ليكون بذلك العام الخامس على التوالي الذي يسجل فيه الناتج المحلي معدل نمو سالب.
ويأتي هذا التقدير في وقت يواجه فيه الاقتصاد اليمني مجموعة متداخلة من القيود الداخلية والصدمات الخارجية، أبرزها استمرار توقف صادرات النفط، وتدهور شروط التبادل التجاري نتيجة التطورات الإقليمية، ونقص الطاقة، وضعف الطلب المحلي، إلى جانب محدودية الموارد المالية وارتفاع الاعتماد على التحويلات والمساعدات الخارجية.
ويمثل انتقال الاقتصاد من انكماش عام 2025 إلى انكماش مماثل في 2026 مؤشرًا على أن الأزمة الاقتصادية اليمنية لم تعد مرتبطة فقط بتداعيات الصراع الداخلي، وإنما أصبحت أكثر ارتباطًا بضعف قدرة الاقتصاد على توليد مصادر مستقلة ومستدامة للنمو والإيرادات والعملات الأجنبية.
انكماش متواصل للناتج المحلي
يُعد الناتج المحلي الإجمالي أحد أهم المؤشرات لقياس حجم النشاط الاقتصادي، ولذلك فإن استمرار تسجيل معدلات نمو سالبة يعكس ضعف قدرة الاقتصاد على استعادة مستويات الإنتاج والدخل التي فقدها خلال السنوات الماضية.
وكان توقف صادرات النفط منذ عام 2022 من أبرز التحولات التي أثرت في الاقتصاد اليمني، نظرًا للدور الذي كانت تؤديه الصادرات النفطية في توفير الإيرادات العامة والعملات الأجنبية ودعم النشاط الاقتصادي.
ومع استمرار توقف الصادرات، انخفضت قدرة الحكومة على تمويل الإنفاق العام، كما تراجعت قدرة الاقتصاد على توفير النقد الأجنبي اللازم لتمويل الواردات، الأمر الذي أدى إلى زيادة الاعتماد على مصادر خارجية، وفي مقدمتها التحويلات والمساعدات والدعم الخارجي.
وفي ظل هذه الظروف، تراجع النشاط في عدد من القطاعات الاقتصادية، متأثرًا بضعف الطلب المحلي، وصعوبة الوصول إلى التمويل، وارتفاع تكاليف ممارسة الأعمال، وهو ما ساهم في استمرار الضغط على الناتج المحلي.
لماذا يتوقع صندوق النقد انكماش الناتج بنسبة 1.5% في 2026؟
يعكس أحدث تقدير لصندوق النقد الدولي مجموعة من العوامل التي تتفاعل في وقت واحد.
أول هذه العوامل تدهور شروط التبادل التجاري نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، وهو تطور يكتسب أهمية خاصة بالنسبة لاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد لتلبية احتياجاته الأساسية. فأي ارتفاع في أسعار السلع والطاقة أو تكاليف النقل والشحن يرفع تكلفة الواردات ويضغط على القوة الشرائية للمستهلكين.
أما العامل الثاني فهو نقص الطاقة، الذي يمثل أحد القيود الهيكلية أمام النشاط الاقتصادي والإنتاجي. فضعف إمدادات الكهرباء وارتفاع تكاليف الطاقة يؤثران في قدرة الشركات والمنشآت على الإنتاج، ويرفعان تكلفة ممارسة الأعمال، ويحدان من قدرة القطاع الخاص على التوسع.
ويتمثل العامل الثالث في ضعف الطلب المحلي. فارتفاع الأسعار وتراجع الدخول وفرص العمل يؤدي إلى انخفاض القدرة الشرائية للأسر، وهو ما ينعكس على الاستهلاك، أحد المكونات الأساسية للنشاط الاقتصادي.
المالية العامة تحت ضغط محدودية الإيرادات
تظل المالية العامة إحدى أبرز نقاط الضعف في الاقتصاد اليمني. فقد أدى توقف صادرات النفط إلى انخفاض كبير في الموارد الحكومية، بينما تراجعت الإيرادات العامة خلال عام 2025 إلى نحو 5.6% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق البنك الدولي.
وفي مواجهة هذا الوضع، تركز الإصلاحات الاقتصادية التي تناقشها السلطات مع صندوق النقد الدولي على تعزيز تحصيل الإيرادات المحلية، ولا سيما الضرائب والجمارك، وتحسين إدارة الموارد العامة.
ومن الإجراءات التي اتخذتها السلطات خلال عام 2026 تحرير سعر صرف الجمارك، بما يجعله أكثر توافقًا مع القيمة الفعلية للواردات، بما يُتوقع أن يساعد على تحسين إيرادات الرسوم الجمركية والضرائب المرتبطة بالاستيراد.
كما تتجه السلطات إلى تعزيز الالتزام الضريبي، خصوصًا لدى كبار المكلفين والشركات المملوكة للدولة، وإدخال الإيرادات والنفقات التي كانت خارج الموازنة ضمن إطار الموازنة الحكومية، بهدف تحسين الشفافية والرقابة على الموارد العامة.
وتكتسب هذه الإجراءات أهمية خاصة في ظل محدودية قدرة الحكومة على الاقتراض أو الحصول على تمويل خارجي، ما يجعل تحسين تحصيل الإيرادات وإدارة الإنفاق من الأدوات الأساسية المتاحة للحفاظ على الخدمات العامة والإنفاق الضروري.
السياسة النقدية وسعر الصرف
يمثل استقرار سعر الصرف أحد الشروط المهمة للحد من التضخم وحماية القوة الشرائية، إلا أن قدرة السلطات النقدية على تحقيق ذلك تظل مرتبطة بمحدودية الاحتياطيات وتدفقات النقد الأجنبي.
ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن الاحتياطيات الدولية ستظل عند مستويات منخفضة، بينما سيستمر الاقتصاد في الاعتماد بدرجة كبيرة على التحويلات المالية ودعم المانحين لتمويل فاتورة الواردات، التي يرتبط جزء كبير منها بالاحتياجات الإنسانية.
وفي هذا السياق، تستهدف السياسة النقدية ضبط نمو المعروض النقدي بما يتناسب مع الاحتياجات الأساسية للاقتصاد، مع الحد من التمويل النقدي للعجز الحكومي.
كما يدعم البرنامج المقترح قدرًا أكبر من مرونة سعر الصرف، بحيث يلعب سعر الصرف دورًا أكبر في امتصاص الصدمات الخارجية وتحقيق قدر أفضل من التوازن بين العرض والطلب على العملات الأجنبية.
وتبرز هنا إحدى المعضلات الأساسية للاقتصاد اليمني: الحفاظ على استقرار سعر الصرف يتطلب تدفقات مستمرة من العملات الأجنبية، بينما ضعف الإنتاج والصادرات يجعل الاقتصاد أكثر اعتمادًا على التحويلات والمساعدات الخارجية.
الحساب الجاري والاعتماد على التدفقات الخارجية
يتوقع صندوق النقد الدولي أن يبقى عجز الحساب الجاري عند نحو 3.4% من الناتج المحلي الإجمالي، مع استمرار محدودية الاحتياطيات الأجنبية.
ويعكس ذلك استمرار الاختلال بين قدرة الاقتصاد على توليد العملات الأجنبية واحتياجاته من الواردات.
ومن ثم، فإن التحويلات المالية للمغتربين والدعم الخارجي لا تؤدي دورًا اجتماعيًا فقط، وإنما أصبحت جزءًا أساسيًا من قدرة الاقتصاد على تمويل وارداته والحفاظ على قدر من الاستقرار الخارجي.
غير أن هذا الاعتماد يمثل في الوقت نفسه مصدرًا للهشاشة، لأن أي انخفاض في التحويلات أو المساعدات أو الدعم الخارجي يمكن أن يضغط سريعًا على سعر الصرف والاحتياطيات والأسعار والنشاط الاقتصادي.
القطاع المالي والطاقة: إصلاحات تتجاوز أزمة 2026
لا ترتبط قدرة اليمن على تحقيق النمو فقط بالسياسات المالية والنقدية، وإنما تحتاج أيضًا إلى إصلاحات هيكلية في القطاعات التي تؤثر مباشرة في بيئة الأعمال والإنتاج.
وفي هذا الإطار، يركز البرنامج المقترح مع صندوق النقد الدولي على تعزيز الوساطة المالية والاستقرار المصرفي، من خلال تطوير أطر إدارة المخاطر وتوسيع الرقابة على المؤسسات التي تقبل الودائع، وتحسين الشفافية عبر نشر البيانات المالية المدققة وتعزيز أنظمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
أما قطاع الكهرباء، فيمثل أحد الملفات الأكثر ارتباطًا بالنشاط الاقتصادي. ويقترح البرنامج اعتماد خطة تدريجية لتحسين استرداد تكاليف الكهرباء، بما يساعد على تقليص الاعتماد المفرط على الدعم الحكومي وتحسين الوضع المالي للقطاع، وتهيئة ظروف أفضل لجذب الاستثمارات اللازمة لتوسيع قدرات التوليد وتحسين موثوقية الخدمة.
وتكتسب هذه الإصلاحات أهمية تتجاوز عام 2026، لأنها تستهدف معالجة بعض القيود الهيكلية التي تحد من قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو مستدام.
هل يمكن أن يتغير مسار الناتج بعد 2026؟
رغم توقع استمرار الانكماش خلال 2026، فإن صندوق النقد الدولي يتوقع استقرار الاقتصاد اليمني في عام 2027، مع تحسن الأوضاع الإقليمية وتعافي الطلب المحلي تدريجيًا.
غير أن هذا الاستقرار لا يعني بالضرورة عودة سريعة إلى معدلات نمو مرتفعة. فالاقتصاد سيظل، وفق التوقعات، في وضع خارجي هش، مع استمرار محدودية الاحتياطيات واعتماده على التحويلات ودعم المانحين.
ومن هنا، فإن الانتقال من الاستقرار إلى النمو الحقيقي سيتطلب أكثر من احتواء العجز المالي أو تثبيت سعر الصرف؛ إذ يحتاج إلى استعادة القدرة الإنتاجية، وتحسين بيئة الأعمال، وإصلاح قطاع الطاقة، وتعزيز القطاع المالي، وتوفير بيئة مؤسسية تسمح للقطاع الخاص بالاستثمار والتوسع.
برنامج إصلاحي في مواجهة اقتصاد منكمش
في هذا السياق، توصلت السلطات اليمنية وفريق صندوق النقد الدولي في يوليو 2026 إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن برنامج مراقبة يمتد 18 شهرًا، يهدف إلى دعم الاستقرار الاقتصادي الكلي، وتعزيز تنفيذ السياسات، وبناء سجل إصلاحي يمكن أن يدعم علاقة اليمن بالشركاء الدوليين.
ويركز البرنامج على مجموعة من الأولويات، من أبرزها تحسين الإدارة المالية والنقدية، وتعزيز تحصيل الإيرادات، وترشيد استخدام الموارد العامة المحدودة، وإعادة بناء الاحتياطيات الدولية، وإصلاح القطاع المالي والكهرباء.
ولا تكمن أهمية البرنامج فقط في الإجراءات الاقتصادية التي يتضمنها، وإنما في إمكانية أن يسهم تنفيذها في إعادة بناء الثقة في السياسات والمؤسسات الاقتصادية اليمنية، وتحسين قدرة البلاد على التعامل مع الشركاء الدوليين وإعادة ترتيب ملف الديون والتمويل الخارجي مستقبلًا.
خلاصة:
تُظهر أحدث المؤشرات الدولية أن الاقتصاد اليمني يواجه عامًا آخر من الانكماش. فبعد تراجع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 1.5% في 2025، يتوقع صندوق النقد الدولي انكماشًا مماثلًا بنسبة 1.5% في 2026، في حين كان البنك الدولي قد توقع في مايو الماضي انكماشًا أقل عند 0.5%.
ويعكس اختلاف التقديرات وتحديثها خلال العام حجم عدم اليقين المحيط بالاقتصاد اليمني، ومدى تأثره بالتطورات الإقليمية وأسعار الطاقة والتجارة الدولية وتدفقات الدعم الخارجي.
وفي حين يمثل توقع الانكماش لعام 2026 استمرارًا للمسار الاقتصادي الصعب، فإن استقرار الاقتصاد المتوقع في 2027 يوفر نافذة محتملة للتعافي، شريطة تحسن البيئة الإقليمية واستمرار الإصلاحات الاقتصادية والمؤسسية.
لكن التحدي الأعمق أمام اليمن لا يتمثل في تجاوز انكماش عام واحد، وإنما في إعادة بناء مصادر النمو المستدام. ويتطلب ذلك استعادة الإيرادات، وتعزيز الإنتاج والصادرات، وإصلاح قطاع الطاقة، وتقوية القطاع المالي، وتحسين إدارة الموارد العامة، وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار والنشاط الخاص.
فإذا ظل الاقتصاد معتمدًا بصورة أساسية على التحويلات والمساعدات لتمويل احتياجاته الخارجية، فإن أي تحسن في الناتج سيظل هشًا وقابلًا للانتكاس. أما بناء اقتصاد أكثر قدرة على توليد الإيرادات والعملات الأجنبية وفرص العمل، فيتطلب إصلاحات أعمق تتجاوز الاستجابة للأزمة الحالية نحو إعادة بناء الأسس الإنتاجية والمؤسسية للاقتصاد اليمني.

اخبار عاجلة
التصعيد يتسع إلى مأرب والمخا والساحل الغربي.. وجغرافيا الحرب تلامس مراكز الإنتاجمأرب: ضبط 4 آلاف كيس دقيق مخالف.. والفاقد الغذائي كلفة تُدفع بالعملة الصعبةسحب الجنسية الكويتية من أكثر من 180 يمنياً.. ملف يلامس شريان التحويلاتاستهداف السفينة “تهامة” في باب المندب.. ضربة مباشرة لخط الغذاء البحريالبنك المركزي اليمني وUNDP يوقعان مذكرة تفاهم لإنشاء مختبر للتكنولوجيا المالية في عدناليابان تقدم 2 مليون دولار لبرنامج الأغذية العالمي لدعم الأمن الغذائي في اليمنجامعة العلوم والتكنولوجيا تعلن عن فرص وظيفية في عدد من التخصصاتمجموعة هائل سعيد أنعم وشركاه (HSA) تعلن عن وظائف شاغرة في عدة محافظات
أسعار الصرفصنعاءالدولار الأمريكي535ريال▼ 0.28%صنعاءالريال السعودي140.20ريال▼ 0.07%عدنالدولار الأمريكي1567ريال▲ 0.39%عدنالريال السعودي411.50ريال▲ 0.24%اليورو / دولار1.1541▼ 0.06%الإسترليني / دولار1.3506– 0.00%الدولار / الين الياباني159.29▲ 0.21%الدولار / اليوان الصيني6.759▲ 0.05%الدولار / الليرة التركية47.74▲ 0.04%الدولار / الجنيه المصري50.23▲ 0.58%الدولار / الدرهم الإماراتي3.673– 0.00%الريال العُماني / دولار2.6008– 0.00%صنعاءالدولار الأمريكي535ريال▼ 0.28%صنعاءالريال السعودي140.20ريال▼ 0.07%عدنالدولار الأمريكي1567ريال▲ 0.39%عدنالريال السعودي411.50ريال▲ 0.24%اليورو / دولار1.1541▼ 0.06%الإسترليني / دولار1.3506– 0.00%الدولار / الين الياباني159.29▲ 0.21%الدولار / اليوان الصيني6.759▲ 0.05%الدولار / الليرة التركية47.74▲ 0.04%الدولار / الجنيه المصري50.23▲ 0.58%الدولار / الدرهم الإماراتي3.673– 0.00%الريال العُماني / دولار2.6008– 0.00%تحديث 12 أغسطس - 02:57