في اقتصادٍ توقفت صادراته النفطية منذ أواخر عام 2022، وتراجع تمويله الإنساني إلى أدنى تغطية مسجّلة منذ 2015، لم يبقَ لملايين الأسر اليمنية سوى حوالة تصل من الخارج.
يقدّر البنك الدولي، في تقريره «Pushing Against the Tide» الصادر في مايو 2026، أن التحويلات تمثّل نحو ربع الناتج المحلي الإجمالي وأنها المصدر الأول لدخل الأسرة اليمنية. وللمقارنة، لم يتجاوز الناتج المحلي الاسمي 19.6 مليار دولار في 2025، بمتوسط دخل فردي لا يتعدى 468 دولاراً سنوياً.
لكن الرقم الدقيق صار مجهولاً. فالبنك المركزي توقّف عن إنتاج بيانات التحويلات، وهي فجوة إحصائية يصفها البنك الدولي بأنها تستوجب معالجة عاجلة. ما هو متاح تقديرات جزئية: بيانات صندوق النقد الدولي تشير إلى ارتفاع التحويلات في مناطق الحكومة المعترف بها من 1.86 مليار دولار في 2024 إلى 1.98 مليار في 2025، بينما قدّرت دراسة لمعهد النمو الدولي (IGC) وAidData التحويلات الرسمية على مستوى البلاد بنحو 3.8 مليار دولار في 2023. الرقمان لا يقارنان مباشرة — يختلفان في التغطية الجغرافية وفي القناة المرصودة — وهذا بحد ذاته جوهر المشكلة.
مقاربة «الانخفاض» هنا تحتاج دقة. الأرقام المتاحة لا تُظهر انهياراً في الحجم الاسمي، بل تآكلاً في ثلاثة مستويات:
فبعد إعادة تصنيف جماعة الحوثي منظمةً إرهابية أجنبية مطلع 2025، وفرض عقوبات على مصارف يمنية، انقطعت علاقات مراسلة مصرفية وانتقلت مؤسسات مالية من صنعاء إلى عدن. النتيجة، بحسب البنك الدولي، سكانٌ في مناطق سيطرة الحوثيين بوصول أضيق إلى الخدمات المالية الرسمية.
بالإضافة الى ذلك هناك امتناع من محال الصرافة في تلك المناطق عن صرف الحوالات بالدولار بسبب شح السيولة، وتسليم المستفيد ريالاً يمنياً أو سعودياً مقابل عمولة تحويل تصل إلى ألف ريال يمني عن كل مئة دولار. وأخيرا تراجعت حصة الدخل غير العمالي — ويشمل التحويلات والمساعدات — من مصادر دخل الأسر في مناطق الحكومة من 9% في يونيو 2025 إلى 6% في أكتوبر من العام نفسه. ويحذّر البنك الدولي من أن التحسّن النسبي المسجّل في الاستهلاك مطلع 2026 عائدٌ جزئياً إلى ارتفاع موسمي للتحويلات في رمضان، ومرشّح للانعكاس.
نحو 60% من التحويلات مصدرها السعودية، تليها الإمارات بـ18%، ثم قطر والكويت بـ5% لكل منهما. هذا التركّز يعني أن أي تباطؤ خليجي ينتقل إلى المائدة اليمنية مباشرة. ومع اندلاع النزاع الإقليمي في 28 فبراير 2026 واضطراب مضيق هرمز، يُتوقع أن يتباطأ نمو المنطقة من 4.0% في 2025 إلى 1.8% في 2026، مدفوعاً أساساً بتباطؤ اقتصادات مجلس التعاون. ويقول البنك الدولي إنه لا يوجد حتى الآن دليل على تضرر التحويلات فعلياً، لكنه يصنّف تراجعها ضمن المخاطر الكبرى على الحسابات الخارجية ورفاه الأسر.
كل ذلك يعني أن الاستقرار النقدي الذي تحقق منذ أغسطس 2025 — حين ارتد الريال في عدن من 2,905 للدولار إلى نحو 1,600 — يستند إلى إجراءات إدارية ودعم سعودي، لا إلى تدفقات مستدامة. الاحتياطيات لا تتجاوز 1.165 مليار دولار، أي ما يعادل شهراً واحداً من الواردات، وخطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026 لم تُموَّل سوى بأقل من 15% حتى نهاية مارس. في هذا التركيب، التحويلات ليست دخلاً أسرياً فحسب، بل مصدر عملة صعبة يسند سعر الصرف ويموّل استيراد الغذاء والوقود.

الاقتصاد اليمنيالقطاع المصرفي
د.سعد النخلاني12 أغسطس، 2026التعليقات على التحويلات الخارجية: شريان يضعف مغلقة7
التحويلات الخارجية: شريان يضعف
مشاركة