- تصدير النفط.. ستة أسابيع بين الإعلان والشحنة الأولى
- أزمة السيولة.. حين يخرج النقد من الجهاز المصرفي
- تدابير ضبط سوق الصرف.. من الدولار الجمركي إلى تنظيم قنوات التحويل
- أسعار المشتقات.. أربعة أسابيع من الثبات وفاتورة مؤجلة
- أسواق النفط.. تثبيت عند مستوى مرتفع وديزل بلا طاقة احتياطية
- انفراج عند الممرات.. تحسّن في التدفق دون فتح معلن
- فجوة الموانئ والأمن الغذائي.. حين تنتقل المشكلة إلى طرف الدخل
- اتجاه الفائدة الأميركية.. دولار أقوى يبتلع جانباً من الانفراج
- خاتمة
حمل شهر أغسطس 2026 تحوّلاً في موقع الاختناق داخل الاقتصاد اليمني. فبينما تحسّنت الظروف الخارجية جزئياً عبر انفراج نسبي في تدفقات الممرات وتراجع خام برنت من مستوياته القياسية، اتسعت في الداخل فجوة استهلاك الغذاء إلى نحو ثلثي الأسر، وهو ما يعني أن المشكلة لم تعد في توفر السلعة بل في القدرة على شرائها. وفي المستوى النقدي، كشف الشهر عن اختلال أعمق من شح السيولة المعتاد: كتلة نقدية ضخمة موجودة داخل الاقتصاد لكنها خارج الجهاز المصرفي، بما يُفقد أدوات السياسة النقدية جانباً من فاعليتها ويجعل أي معالجة أبطأ وأقل أثراً. أما ملف تصدير النفط، الذي شكّل عنوان يوليو، فأنهى أغسطس دون إعلان رسمي عن مغادرة أول شحنة بعد ستة أسابيع من إعلان الاستئناف، ليتحول من ملف فرصة إلى ملف تعثر يستدعي قراءة مستقلة. وعلى المستوى المحلي المباشر، أكملت أسعار المشتقات النفطية في عدن أربعة أسابيع دون تغيير رغم تقلب البرميل عالمياً في الاتجاهين، وهو ثبات لا يعبّر عن استقرار بقدر ما يعبّر عن تصحيح مؤجل يكبر حجمه كلما طالت مدته. وبصورة عامة، عكست تطورات أغسطس أن الانفراج العالمي وصل إلى الطرف الذي لم يعد هو نقطة الاختناق، وأن معالجة الأزمة انتقلت من نطاق سياسة الإمداد إلى نطاق سياسة الدخل والحماية الاجتماعية.
تصدير النفط.. ستة أسابيع بين الإعلان والشحنة الأولى
أنهى ملف استئناف تصدير النفط الخام شهر أغسطس دون إعلان رسمي عن مغادرة أول شحنة، أي بعد نحو ستة أسابيع من إعلان الاستئناف في العشرين من يوليو. وبذلك يخرج هذا الملف من خانة التطورات قيد التنفيذ إلى خانة التعثر الذي يستدعي تفسيراً مستقلاً.
ودلالة هذا التأخر تتجاوز البُعد الزمني. فالفارق بين إعلان الاستئناف وخروج الشحنة الأولى هو الفارق بين قرار سياساتي وأثر مالي فعلي؛ فالإيراد لا يُقيَّد في حسابات الدولة عند الإعلان، بل عند إتمام عملية التحميل والبيع والتحصيل. وطالما بقيت الشحنة الأولى معلّقة، يبقى الأثر المتوقع على الموارد بالعملة الأجنبية وعلى الموقف الاحتياطي في حكم التقدير لا التنفيذ.
وتتوزع القيود المرجّحة على ثلاثة مستويات: مستوى تشغيلي يتعلق بجاهزية الحقول وخطوط الأنابيب ومنشآت التحميل بعد سنوات من التوقف؛ ومستوى تعاقدي يتصل بشروط الشحن والتأمين ومستوى أقساط مخاطر الحرب التي تسعّرها شركات النقل قبل الجدوى التجارية؛ ومستوى يتعلق بحوكمة الإيرادات وترتيبات توزيعها. وكل من هذه القيود قابل للمعالجة منفرداً، لكن اجتماعها يفسّر لماذا لم يترجم الإعلان إلى تدفق فعلي حتى نهاية الشهر.
وتزداد أهمية هذا الملف بالنظر إلى بديله. فغياب الإيراد النفطي يبقي الخزينة معتمدة على أدوات تمويل مرتفعة الكلفة وعلى الدعم الخارجي، وهو ما يجعل كل شهر تأخير كلفةً مالية إضافية لا مجرد فرصة مؤجلة.
أزمة السيولة.. حين يخرج النقد من الجهاز المصرفي
كشف أغسطس عن أحد أعمق الاختلالات النقدية في المشهد المحلي. فقد أفاد مسؤولون بوجود آلاف المليارات من الريالات مكدّسة لدى شركات الصرافة ورجال الأعمال خارج الجهاز المصرفي، في وقت تعاني فيه المالية العامة أزمة سيولة خانقة نتيجة تراجع الإيرادات عقب توقف صادرات النفط. ويقترن ذلك بمؤشرين إضافيين: تلف أكثر من سبعين بالمئة من الأوراق النقدية المتداولة، وقيام مؤسسات حكومية بإيداع أموالها لدى شركات الصرافة بدل البنك المركزي.
والقراءة الفنية لهذه المؤشرات أن اليمن لا يواجه شحاً في المال بمعناه الكمي، بل خروجاً للنقد من القنوات الرسمية. وهي مفارقة نقدية قائمة: كتلة نقدية كبيرة داخل الاقتصاد، وشح حاد في السيولة المتاحة للتداول والوساطة المالية. فالنقد المكدّس لا يؤدي وظيفته الاقتصادية؛ لا يُقرَض، ولا يموّل تجارة، ولا يدخل ضمن قاعدة الودائع التي يستند إليها البنك المركزي في إدارة المعروض النقدي.
والنتيجة المباشرة أن أدوات السياسة النقدية تفقد جانباً من فاعليتها. فحين يقرر البنك المركزي تضييق السيولة أو توسيعها، لا يصل أثر قراره إلا إلى الجزء المتداول عبر الجهاز المصرفي، وهو جزء يتقلص باستمرار. أي أن الأداة تعمل بجزء من طاقتها التصميمية.
والأهم من ذلك أن هذا السلوك يعكس تقييماً عقلانياً من أصحابه لا خللاً فردياً؛ فالاحتفاظ بالنقد خارج البنوك يحمي من قيود السحب ومن مخاطر النظام المصرفي. ومعنى ذلك أن المعالجة لا تكون بإجراءات إدارية أو إلزامية، بل باستعادة الثقة عبر رفع قيود السحب، وانتظام عمليات الصرف، وشفافية الإدارة المالية. وهذه مسارات تستغرق وقتاً، وهو ما يجعل القيد النقدي حاضراً في أي معالجة مقبلة لصدمة سعرية أو تمويلية.
تدابير ضبط سوق الصرف.. من الدولار الجمركي إلى تنظيم قنوات التحويل
شهد الشهر استمرار مسار إجراءات تستهدف ضبط سوق الصرف وتنظيم قنوات التحويل. فإلى جانب أثر تحرير سعر الصرف الجمركي الذي جعل حصيلة الرسوم الجمركية وضريبة المبيعات أكثر اتساقاً مع القيمة الفعلية للواردات، جرى العمل على تحديث آليات تسعير الصرف واعتماد منصة مرجعية لتحسين شفافية التسعير، فيما أصدر محافظ البنك المركزي قراراً بإيقاف تراخيص شركة ومنشأة صرافة وعدد من وكلاء الحوالات وإغلاق مقارّها.
والمنطق الاقتصادي المشترك بين هذه الإجراءات هو تقليص الفروق التحكيمية وإعادة توجيه التدفقات إلى قنوات قابلة للقياس والرقابة. فسوق الصرف المجزأة تُنتج أسعاراً متعددة للعملة نفسها، وتخلق هوامش ربح ناشئة عن الفارق لا عن النشاط الاقتصادي، وتصعّب على السلطة النقدية قراءة حجم الطلب الحقيقي على العملة الصعبة.
غير أن فاعلية هذه الأدوات مشروطة بأمرين. الأول توفر موارد كافية بالعملة الأجنبية تمنح السلطة النقدية قدرة فعلية على التدخل، إذ إن أدوات التنظيم وحدها لا تعوّض نقص الموارد. والثاني اتساق الإجراءات الرقابية مع بقاء قنوات تحويل قانونية ومتاحة بكلفة معقولة، لأن تضييق القنوات الرسمية دون توفير بديل ميسّر يدفع جانباً من التحويلات نحو مسارات غير رسمية، فيتراجع ما هو قابل للقياس والرقابة بدل أن يزيد.
أسعار المشتقات.. أربعة أسابيع من الثبات وفاتورة مؤجلة
أكملت أسعار المشتقات النفطية في عدن أربعة أسابيع دون تغيير منذ الرابع من أغسطس، عند نحو 28,200 ريال لعشرين لتراً من البنزين المحلي، و29,500 ريال للبنزين المستورد، و36,400 ريال للديزل المستورد. وخلال هذه المدة تحرك خام برنت في نطاق يقارب أحد عشر دولاراً صعوداً وهبوطاً، دون أن ينعكس ذلك على السعر المحلي في أي من الاتجاهين.
والدلالة التقنية هنا أهم من الرقم ذاته. فالسعر المحلي لم يستجب للارتفاع ولم يستجب للانخفاض، أي أنه لا يتبع الاتجاه في أي من الجهتين. وهذا يشير إلى انفصال بين السوق المحلية والسوق العالمية، تتصل أسبابه بتوقيت التعاقد على الشحنات، وبهوامش التكرير المرتفعة، وبكلفة الشحن والتأمين التي لا تتحرك بالتوازي مع سعر البرميل.
ومن منظور اقتصادي، يعني ذلك أن الفارق يتراكم في موضع ما داخل سلسلة التوريد: في هامش الموزّع، أو في كلفة شحنة متعاقد عليها سابقاً، أو في مخزون اشتُري بسعر مختلف. وأياً كان الموضع، فالتصحيح مؤجل لا ملغى، وحجمه يكبر كلما طالت فترة الثبات.
أما الأثر المعيشي المباشر فمزدوج وغير متكافئ: الأسرة لم تلمس شيئاً من تراجع الأسعار العالمية خلال الشهر، بينما ستلمس أي ارتفاع لاحق فور تمريره إلى السوق. وهذا يجعل الثبات السعري عبئاً مؤجلاً لا حمايةً فعلية.
أسواق النفط.. تثبيت عند مستوى مرتفع وديزل بلا طاقة احتياطية
أنهى النفط شهر أغسطس مرتفعاً بنحو واحد بالمئة فقط، بعد قفزة بلغت 21.8 بالمئة في يوليو. وشهد الشهر تراجعاً أسبوعياً تجاوز خمسة بالمئة في أواخره، إذ سُوّي برنت عند 89.31 دولاراً بعد إغلاق سابق عند 94.39 دولاراً، فيما سُوّي خام غرب تكساس الوسيط عند 83.40 دولاراً.
والقراءة المنهجية لهذه الحصيلة أن السوق لم تصحّح مكاسب يوليو بل رسّختها، وأصبح المستوى المرتفع نقطة الارتكاز الجديدة. وهذا أخطر أثراً من التقلب نفسه؛ فالقفزة المفاجئة تُقرأ بوصفها صدمة مؤقتة يمكن انتظار انحسارها، أما التثبيت عند مستوى مرتفع طوال شهر كامل فيدخل في توقعات المتعاملين وفي عقودهم متوسطة وطويلة الأجل. وتعزز التقديرات الرسمية هذا الترجيح، إذ لا يُتوقع عودة إنتاج المنطقة إلى مستوياته السابقة قبل مطلع 2027.
ويقترن ذلك بتمييز فني بالغ الأهمية بالنسبة لليمن: ما تحسّن خلال الشهر هو تدفق الخام عبر الممرات، وهو ما يخفض سعر البرميل. أما ما لم يتحسن فهو الطاقة التكريرية، وهي ما يحدد سعر المنتج المكرر الذي يستورده اليمن فعلياً. وقد بقيت أسعار الديزل عند مستويات مرتفعة تاريخياً في غياب طاقة تكرير احتياطية كافية، بفعل أعطال في مصافٍ إقليمية وتراجع طاقات تشغيلية أخرى.
وبذلك يصل الانفراج العالمي إلى السوق المحلية مخفّفاً إلى النصف على أحسن تقدير، لأن اليمن يستورد منتجات مكررة لا خاماً، ولأن القيد انفكّ عند طرف واحد من طرفي المعادلة.
انفراج عند الممرات.. تحسّن في التدفق دون فتح معلن
سجّل أغسطس أول انفراج ملموس في أزمة الممرات منذ أشهر. فقد قُدّرت صادرات النفط من الخليج بنحو 15 إلى 16 مليون برميل يومياً، أي ما يقارب ثلثي مستواها قبل الحرب البالغ 22 إلى 24 مليوناً، وبفارق واسع عن قاع بلغ خمسة إلى ستة ملايين في مارس. كما أُفيد بنقل أكثر من 660 مليون برميل عبر مضيق هرمز منذ مطلع مايو، فيما جرى التوصل إلى إطار لتقاسم الإيرادات بشأن المضيق دون أن يعني ذلك إعادة فتح فورية.
والقراءة الاقتصادية أن السوق أعادت تصنيف الأزمة: من تهديد للإمداد المادي إلى مواجهة اقتصادية وترتيبات عقوبات ورسوم. وهذا التصنيف هو ما خفّض السعر، لا انتهاء الأزمة نفسها. ويترتب على هذا التمييز أثر عملي، إذ إن مخاطر الإمداد تنحسر مع عودة التدفق، أما ترتيبات الرسوم والعقوبات فتميل إلى الاستقرار داخل هيكل التكلفة في عقود الشحن.
وبالنسبة لاقتصاد يستورد أضعاف ما يصدّر، فإن الفائدة الصافية من هذا الانفراج تتوقف على مدى انتقاله إلى أقساط التأمين وأجور الشحن الفعلية على خطوط الاستيراد المتجهة إلى الموانئ اليمنية، وهو انتقال يتأخر عادة عن تحسّن المؤشرات العالمية بأسابيع.
فجوة الموانئ والأمن الغذائي.. حين تنتقل المشكلة إلى طرف الدخل
على مستوى البنية التجارية، اتسعت الفجوة بين الموانئ. فوفق معطيات رسمية، استقبلت موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى نحو 2.259 مليون طن من المواد الغذائية خلال الفترة من يناير إلى أبريل 2026، مقابل نحو 558 ألف طن عبر ميناءي عدن والمكلا. وارتفعت واردات الغذاء عبر جميع الموانئ اليمنية بنحو 22 بالمئة مقارنة بالفترة ذاتها من 2025، غير أن الجزء الأكبر من الزيادة تركّز في الموانئ الشمالية. ويقترن ذلك بتعثر مشروع تعميق القناة والحوض في ميناء المخا بكلفة 16 مليون دولار عند نسبة إنجاز 38 بالمئة، وبقاء الميناء خارج الخدمة، بما أعاد تركيز الواردات في منافذ أقل عدداً.
وعلى مستوى الأثر المعيشي، اتسعت نسبة الأسر التي تعاني فجوات في استهلاك الغذاء إلى نحو 64 بالمئة بعد 62 بالمئة في القراءة السابقة، وتجاوزت المحافظات كلها تقريباً عتبة الأربعين بالمئة المصنفة خطراً شديداً. وتزامن ذلك مع خفض عدد المستهدفين ببرنامج المساعدة الغذائية الطارئة في مناطق الحكومة من 3.4 مليون إلى 1.7 مليون شخص بفعل نقص التمويل، في سياق وُصف بأنه أسوأ فجوة تمويل إنساني منذ عقد.
والقراءة الاقتصادية لهذا التزامن أن المشكلة انتقلت من طرف العرض إلى طرف الدخل. فانخفاض سعر السلعة يعالج جانب العرض، أما فجوة الاستهلاك فهي اختلال في جانب الدخل: الأسرة لا تشتري أقل لأن السلعة أغلى فحسب، بل لأن ما بيدها أقل. وكانت المساعدة الغذائية تعمل بوصفها دخلاً عينياً بديلاً، فانحسارها يعيد الأسرة إلى السوق النقدية في توقيت تراجعت فيه قدرتها الشرائية أصلاً.
وفي هذا السياق، أعلنت الحكومة حزمة إجراءات لتعزيز المخزون الاستراتيجي من القمح تشمل إنشاء صوامع استراتيجية، وتسريع التخليص الجمركي، ومعالجة الرسوم غير القانونية، وتنويع مصادر الاستيراد وخطوط الشحن. وبند الصوامع هو الأهم لأنه يمس بنية الاستيراد لا حجمه؛ إذ يتيح استقبال القمح سائباً بدل المعبّأ، وهو نمط أقل كلفة ويقلّص الفاقد التخزيني، ويمنح القدرة على الشراء عند انخفاض الأسعار بدل الشراء الاضطراري عند ارتفاعها. غير أن فاعلية الحزمة مشروطة بتوفر تمويل بالعملة الصعبة يتيح الشراء المسبق، وبضبط السوق حتى لا يتحول تعزيز المخزون إلى ذريعة للاحتكار قبل حدوث نقص فعلي، خصوصاً مع ارتفاع أسعار القمح عالمياً بنحو 25 بالمئة عن مستويات يناير.
اتجاه الفائدة الأميركية.. دولار أقوى يبتلع جانباً من الانفراج
على الصعيد النقدي الدولي، أعاد رئيس الاحتياطي الفيدرالي التأكيد في ندوة جاكسون هول على هدف التضخم عند اثنين بالمئة بوصفه هدفاً ثابتاً، ووصف قراءة يوليو البالغة 3.7 بالمئة لمؤشر أسعار الإنفاق الاستهلاكي بأنها مقلقة، مشيراً إلى أن التغيّر على ستة أشهر بلغ 4.1 بالمئة، وأن 54 بالمئة من مكونات المؤشر تجاوزت ثلاثة بالمئة خلال الاثني عشر شهراً الماضية. وقد سعّرت الأسواق إثر ذلك احتمال رفع الفائدة، فتراجعت المعادن النفيسة، وسجّل الدولار مكاسب هي الأكبر في نحو شهرين ونصف، فيما بلغ عائد السندات اليابانية لعشر سنوات أعلى مستوى له في نحو ثلاثين عاماً.
وتصل هذه الحلقة إلى الاقتصاد اليمني عبر قناة محددة هي قوة الدولار. فارتفاع الفائدة الأميركية يعني دولاراً أقوى، أي فاتورة استيراد أثقل بالعملة المحلية حتى لو لم تتغير أسعار السلع بالدولار، وقيمة حقيقية أقل للتحويلات الواصلة إلى الأسر. كما يعني ارتفاع كلفة التمويل عالمياً، وهو ما ينعكس على شروط التمويل التجاري المتاح للمستوردين.
والمحصلة أن هذه الإشارة تعمل في الاتجاه المعاكس تماماً لانخفاض أسعار النفط، فتبتلع جانباً من مكسبه عند التحويل إلى العملة المحلية. أي أن الأثر الصافي على فاتورة الاستيراد أقل بكثير مما يوحي به رقم البرميل منفرداً، وهو ما يفسّر لماذا لا يترجم تحسّن المؤشرات العالمية إلى تحسّن مماثل في الأسواق المحلية.
خاتمة
تشير حصيلة أغسطس 2026 إلى أن مركز الثقل في الأزمة الاقتصادية اليمنية قد تحرك. فقد تحسّنت الظروف عند طرف العرض عبر انفراج تدفقات الممرات وتراجع سعر الخام، بينما اتسع الاختلال عند طرف الدخل عبر توسع فجوة استهلاك الغذاء وانحسار التمويل الإنساني. والفارق بين الحالتين هو الفارق بين من لا يجد السلعة ومن لا يملك ثمنها؛ الأولى تُعالَج بالإمداد، والثانية لا تُعالَج إلا بالدخل والتشغيل والحماية الاجتماعية.
ويضاف إلى ذلك أن أدوات المعالجة نفسها تعمل بجزء من طاقتها. فخروج كتلة نقدية كبيرة من الجهاز المصرفي يضعف أثر السياسة النقدية، وثبات أسعار المشتقات لأربعة أسابيع يراكم تصحيحاً مؤجلاً لا يلغيه، وتعثر أول شحنة تصدير يبقي الخزينة معتمدة على تمويل مرتفع الكلفة. أما اتجاه الفائدة الأميركية فيعمل عكس أي انفراج في أسعار الطاقة، بما يقلّص الأثر الصافي على فاتورة الاستيراد.
وعليه، فإن المؤشرات الأجدر بالمتابعة خلال سبتمبر هي: خروج أول شحنة تصدير نفطي ووجهة إيداع عائداتها، وأول تغيّر في أسعار المشتقات المحلية بعد أربعة أسابيع من الثبات، وأي إجراء يخص قيود السحب المصرفي بوصفه المدخل الأول لاستعادة الثقة، ومسار أسعار الديزل عالمياً مقارنة بالخام، وقراءة فجوة استهلاك الغذاء للشهر التالي، ومستوى تمويل خطة الاستجابة الإنسانية لما تبقى من العام، وقرار الفائدة الأميركية وأثره على قوة الدولار.
تُعدّ “الإحاطة الاقتصادية الشهرية” استناداً إلى الإحاطات اليومية والأسبوعية الصادرة عن وحدة الرصد الاقتصادي في المركز اليمني للدراسات الاقتصادية، وإلى مصادرها الرسمية والموثوقة. البيانات غير الرسمية، ولا سيما أسعار الصرف وأسعار السوق المتداولة، مُعلَّمة بوصفها كذلك وتخضع للتغيّر.
